English Version <

 

 

سهى شومان: "بيكفي مشان الله"
نص لـ سما الشيبي
ترجمة مي مظفر
 

في عامنا هذا، 2008، وفي هذه الذكرى لنكبة 1948، يقف الكثير من الفنانين الفلسطينيين، أولئك الذين تتصدى أعمالهم عادة على نحو مباشر، أو لا تتصدى، لقضية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وقفة متأملة. أين نحن؟ إلى أين نمضي؟ وما الذي ينبغي لنا أن نقول بعد مرور ستين عاما؟ ما بوسع الفنان أن يقول غير ما قيل عن ستين عاما من مطالبة الفلسطينيين بالاستقلال، تلك القضية المعقدة المستقطبة والموثّقة توثيقا هائلا؟

قد يكون الخطاب المباشر أفضل وسيلة للاقتراب من القضايا المروّعة.

بأمانة وبجرأة وبساطة خادعة، أقدمت سهى شومان على صياغة هذه القضية من خلال شريط فيديو لا يستغرق عرضه أكثر من ثلاث عشرة دقيقة بعنوان "بيكفي مشان الله". فهو مزيج هجين من عمل وثائقي تجريبي ومخزون أخبار مسجلة أعيد مزجها، في محتوى تارة مدمّر ومفاجئ، وتارة أخرى حميم مثل نشيد وطني؛ المسألة رهن بما سبق معرفته عن الصراع. إنما هي الكيفية التي قُدّم بها هذا الفيلم الوثائقي، وكيف وُزّع وحُدد مكانه في زمن يمسك بالمشاهد. ففيلم "توقفوا بحق الله"، الذي أُعد على موسيقى قدّاس الموتى لموزارت بالمقام الرابع  Requiem in D، يثير تلك المفارقة المريرة في استخدام الدين لتبرير العنف، ولعل عمل شومان هذا دعوة موجهة خصيصا إلى المؤمنين من الناس.

تستخدم شومان مخزون الأفلام المسجلة لكونها غير قادرة على العودة إلى فلسطين لالتقاط صورها وعمل شريط الفيديو الخاص بها ( معظم الفلسطينيين في الشتات لا يسمح لهم بالدخول إلى فلسطين منذ قيام إسرائيل بالسيطرة على حدودها)، وأيضا لكون هذه الأفلام تمثل الإعلام الذي ألفناه كثيرا. فضلا عن ذلك، فالأفلام الوثائقية، بما فيها المخزون من الأخبار، توثّق لحظات دقيقة لا يمكن تجاهلها بسهولة. هذه الأفلام إذًا تمثل كل ما سبق أن شاهدناه إطلاقا في نشرات الأخبار اليومية عن هذا الصراع، ولا تقتصر على ما يعرض علينا في تلك الدقائق الثلاث عشرة. وهي بهذا تعيد إلى ذاكرتنا، وإن بطريقة أخرى، النشرات التي لا حصر لها.

قُدّم الفيلم بعرض مطوّل، يتباطأ، بل قد يتوقف وهلة، ليدفع المشاهد إلى التأمل. وبتقديمها الآيات والنصوص الدينية في شكل بطاقات معنونة، تمازج سهى شومان فقرات منتقاة من الكتب المقدسة للأديان الموحدة الثلاثة، فتذكرنا بأنه ليس بوسع أحد أن يستخدم الدين من أجل أن يبرر العنف ونهب الأرض على مدى السنوات الستين الماضية. 

في الاستخدام البطيء للزمن دعوة إلى التفكر العميق، خاصة بما تشهد عليه تلاوة آيات سورة الفاتحة من القرآن الكريم كاملة، مع ترجمة إلى الإنجليزية. فهي تكشف للمشاهدين غير الناطقين بالعربية الكلمات الجميلة الداعية للسلام في الدين الإسلامي. إن التكبير، قول الله أكبر، كما يظهر عادة في الصورة النمطية للإعلام الغربي، يسبق أعمال العنف والاحتجاج، بدلا من الدعوة إلى الصلاة كما هو عليه الحال في العالم الإسلامي. في عمل شومان مدخل إلى الدين الإسلامي تزداد الحاجة إليه، كما أن متابعة الصلاة من خلال عرض مطوّل يدفع المشاهد إلى وقفة متأملة، حتى بالنسبة لمشاهد يعتنق الدين الإسلامي أو يتحدث العربية. فإلقاء نظرة محدّقة في مصلّين يسجدون بخشوع، ويؤدون شعائرهم بحميمية، من شأنه أن يغمر المشاهد المتعاطف. فحين أدار الرجال ظهورهم للكاميرا، واستغرقوا في عبادة الله استغراقا تام، أصبحوا وإيمانهم خاضعين لنظراتنا. إنهم يبدون غير محصّنين على الإطلاق، وغير مدركين بما يحيط بهم، خاصة الكاميرا التي تمعن النظر فيهم. لطالما كان هؤلاء الرجال عرضة لخديعة الكاميرا وخيانتها في التاريخ، وذلك من خلال استخدامها أداة موظفة لصالح أجندة أولئك الذين يرغبون في إظهارهم إرهابيين وعملاء لعقيدة تؤمن بإله مزيّف. لكن شومان توجه، من خلال كاميرتها، اهتمام المتفرج نحو هؤلاء الناس لتقيم بينهم وبين مشاهديها صلة مختلفة. 

يحمل مشهد الصلاة في عمل سهى شومان دلالة قوية، ومطمئنة أيضا، على نقيض ما هو متوقع من تجمع كبير لرجال يقيمون تحت مظلّة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. فهم ليسوا في حالة صراع ولا فوضى، ولا في مسيرة احتجاجية تدعو للموت. حسبهم رجال غير محاربين، يصطف واحدهم إلى جانب الآخر في صلاة خاشعة، وليس من السهل إثبات أن للصلاة غاية إعلامية. 

من الجدير بالملاحظة هنا، أن المصلين ليسوا رجالا فلسطينيين، وليس هذا الجزء من الفيلم مادة مخزونة. فقد أمسكت شومان بالكاميرا عندما كانت تزور مسجدا في سنغافورة. ولعل موقع هذا الجزء في مكوّنات عمل الفيديو برمته مهم، لأن شومان، في الجزء الذي يسبق مشهد الصلاة، تتعمّد جرَّ الخلاف إلى ما هو أبعد من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. ثمة نقاش عالمي يتبلور بمنظور دولي هدفه الدين والسياسات والمقاومة والحركات الناشطة. فهو يأتي في الدقائق الست الأولى من الفيديو، والتي تنشئ بلا ريب قضية غير عادلة للشعب الفلسطيني لتأخذ موقعها ضمن سياق أوسع.  

ستون عاما من الظلم وُصفت بأمانة، إن لم يكن وصفا كاملا، في الدقائق الست الأولى المؤلمة من عمل الفيديو: سلسلة من الخرائط التاريخية لفلسطين بدءا من عام1946، يتجلى فيها ما فقد من الأراضي، وتصوير جوي للجدار العازل الممتد بلا نهاية، من أجل توضيح المنظر الطبيعي المغتصٍب والعازل، كما تظهر المواجهات القاسية والعنيفة التباين بين الفلسطينيين العزّل من المدنيين وجيش الدفاع الإسرائيلي المجهّز بقوة هائلة، والمجازر التي تشهد عليها معارض الجثث، أما دفن الشهداء الفلسطينيين فيواجه باحتجاجات الحشود الكبيرة من المنكوبين والغاضبين، وأخيرا، يظهر الفيلم صورة ساكنة التقطت من داخل كنيسة على جبل الزيتون في القدس.

إن هذا الاستخدام للصور الفوتوغرافية الساكنة ممارسة في السيميائيات البصرية للصراع الدائر حاليا؛ تظهر مساحة الجزء الأمامي من الصورة نافذة المصلّى مزيّنا بأكثر الإيقونات رمزية للديانة المسيحية، وصليب كبير. كما تكشف الأرضية الوسطى، ومن خلال تلك النافذة بالتحديد، إطلالة على قبة الصخرة بطلائها الذهبي الساحر، وهي ثالث الأماكن المقدسة في الدين الإسلامي. أما الخلفية فهي مجرد مشهد كئيب. وراء القبة والصليب تدور رافعتان ضخمتان تعلوان فوق القدس القديمة، إشارة إلى التوسع الاستيطاني الدائم والوجود الإسرائيلي في شرق القدس، وهما، بنفوذهما البصري، يطغيان على الإيقونتين الأخريين. ذلك ما يعيد إلى الأذهان المستعمرات الممتدة على الضفة الغربية بما لا حصر له، مع الحضور الدائم لأذرع الرافعات وهي تضرب في المواقع التي تستولي عليها. 

بعد الدقائق الست من الفيلم وما تحمله من دلالة، يظهر نص من الإنجيل متسائلا:"أي نفع يجنيه الإنسان إذا ما ربح الدنيا برمتها وخسر نفسه؟" (متى 16:26). تتوقف موسيقى قدّاس الموتى بمقام D وقفة قصيرة درامية، ليأت بالرد صوت بلا وجه:"هذا زمن تخضع فيه نفوس الناس للامتحان". إننا نشاهد طائرة مقاتلة نفّاثة تقلع إلى غاية غير معلنة، إلى هدف في موقع في الأسفل، وقصفه. تتوالى هنا مجموعة مشاهد سريعة مثل دبابة تتقدم أمام لهيب نار، مظاهرة مناهضة للحرب في العاصمة واشنطن أمام مبنى الكابيتول الأمريكي، ثم غرفة استقبال فيها جهاز تلفزيون حيث يظهر على الشاشة، من قناة بي بي سي، البابا وهو يؤدي الشعائر السياسية الآمنة التي يعبّر فيها عن أمنيته بإنهاء الظلم في العراق، التبت و"الأرض المقدسة" من دون تسميتها. ثم تتبع شومان هذه المشهد بصورة ساكنة لمسلمين يؤدون الصلاة أمام قبة الصخرة، وبعدها يأتي المشهد الطويل في جامع سنغافورة في موعد الصلاة. يشير هذا التقابل إلى الارتباك الواقع بين العالمين. 

من الجدير بالتنويه أن "بيكفي مشان الله" عمل إنشائي installation. وهو إذ يهيمن على شاشة العرض الكبيرة داخل القاعة، فثمة فيديو آخر صغير معلّق في الزاوية، يعمل بدورة متواصلة. إنه مجرد عدّاد للأرقام. يظل المشاهدون على وعي بحضور الزمن، فالعدّاد يظهر السنوات المنقضية بدءا من عام 1948 وانتهاء بعام 2008، قبل أن يعيد الدورة ثانية. كلا الفيديوين يتحاوران، يحركان المعنى العميق لستين عاما وهي تمضي بينما لا يزال الحال على ما هو عليه، هذا إن لم يزدد سوءا. فالعنف لم يولّد سوى المزيد من المعاناة، وهنا تطرح شومان سؤالها الأخير:"من الذي بدأ؟" و "من الذي سينهي؟" 

من الذي يقدر؟ حتى البابا عاجز عن ذلك، تبعا لما يظهره فيلم الفيديو. ومع ذلك، فالعنوان ذاته يقترح نهاية للعنف. فعنوان الفيلم يطلب منا، من كل فرد منا، أن نتوقف. تبيّن سها شومان الدور الرئيس للمسؤولية الشخصية في أي حل. من أجل ذلك فإنها تحمّل المؤمنين، من أتباع الأديان الثلاثة، عبء المسؤولية. كلنا جزء منها، وينبغي لنا أن نبدأ بالعمل من أجل العدالة والسلام. علينا بحق الله أن نعمل جميعا لوضع حد. 

سما الشيبي
أستاذ مساعد في جامعة أريزونا
ترجمة: مي مظفر

عمّان: 28 أيلول 2008

 

press clips
summer academy
currently on
workshops

انظر أيضاً:

> أحمد نعواش - لوحات ويتية وحفر
> سهى شومان - بيكفي مشان الله - فيديو
> ناجي العلي - كاريكاتير