English Version <

 

 

ناجي العلي

لا أعرف متى تعرفت على ناجي العلي، ولا متى أصبحت رسومه ملازمة لقهوتي الصباحية الأولى. ولكنني أعرف أنه جعلني أبدأ قراءة الجريدة من صفحتها الأخيرة..


كان آخر من رأيتُ في بيروت بعد الرحيل الكبير إلى البحر. كانت بيروته الأخيرة وردة تبكي. وكان يسخر من نفسه لأن الغزاة في صيدا ظنوه شيخاً طاعناً في السن بسبب بياض شعره. سألني إلى أين سأرحل. قلت: سأنتظر إلى أن أعرف. وسألته إن كان سيبقى. قال إنه سينتظر إلى أن يعرف.


لم يكن أحد منا خائفاً، لأن المشهد الدرامي في بيروت كان أكبر من أية عاطفة، فرسم بيروت وردة وحيدة. ولم نعلم، لم يعلم أحد، أن وراء الوردة وحشاً يتقدم من مخيماتنا..


جميع الذين عملوا معه كانوا يقولون إنه أصبح جامحاً، وإن النار المشتعلة فيه تلتهم كل شيء، لأن قلبه على ريشته، ولأن ريشته سريعة الانفعال والاشتعال لا تعرف لأي شيء حساباً، ولأنه يحس بأن فلسطين ملكيته الخاصة التي لا يحق لأحد أن يجتهد في تفسير ديانتها. فهي لن تعود بالتقسيط، لن تعود إلا مرة واحدة. مرة واحدة من النهر إلى البحر.


حين استشهد ناجي العلي، سقطت من قلبي أوراق الأغاني لتسكنه العتمة. الاختناق في الحواس كلها، لا لأن صديقاً آخر، صديقاً مبدعاً، يمضي بلا وداع فقط، بل لأن حياتنا صارت مفتوحة للاستباحة المطلقة، ولأن في وسع الأعداء أن يديروا حوار الخلاف، بيننا، إلى الحدود التي يريدونها، ليعطوا للقتيل صورة القاتل التي يرسمونها، وليتحول القتلة إلى مشاهدين..


من هنا فإن الوفاء لشهدائنا ولذاتنا لا يتم بالقطيعة، بل بتطوير مضامين هويتنا الديمقراطية، وخوض معركة الحرية ومعركة الديمقراطية، داخل الحالة الفلسطينية، بلا هوادة، وبلا شروط..


لقد رحل، ولكنه خلّف تراثنا الجماعي، تراث شعب يتكوّن بكل ما يمتلك من وسائل التكوّن..


محمود درويش (مقتطفات)

 

press clips
summer academy
currently on
workshops

انظر أيضاً:

> أحمد نعواش - لوحات ويتية وحفر
> سهى شومان - بيكفي مشان الله - فيديو
> ناجي العلي - كاريكاتير