|
فضاءات حيدر
تييري كاردون
حين وصل حيدر إلى أوروبا قبل أكثر من ثلاثة عقود، وجد العالم الفني
الذي كان يدهشه أيام صباه، لا سيما الأعمال السوريالية والتعبيرية،
وكشف هذا الافتتان عن حساسيته في التعامل مع المادة واللون.
نرى في أعماله الأولى التساؤلات المشروعة حول كل ما هو لا إنساني،
وإذا كانت لوحاته تشكل أحداثاً لرؤى تغلفها الكوابيس والحيرة، فإنه
عرف كيف يفتح أعيننا على رموز هذه الرؤى وعلاماتها..
ونلاحظ في أعماله أيضاً أن الألوان البنية الداكنة تحتل مساحات
مهمة، ويساهم وقار الأرض الغرينية -ذات اللون الأوكري- في إشارة
للفضاء المغلق الذي توحي به هذه اللوحات.
أما في أعمال أخرى فنلاحظ أن الألوان الضوئية الساطعة والشفافة
الهادئة تصبو إلى السماوات الصافية والمدن البعيدة. وإذا كانت
الرموز تكشف عن اللاوعي، فإن المواد المستخدَمة تتميز بحساسية
جسدية تكاد توازي الوجود نفسه أو تلك اللذة الهوائية الشفافة
كالأبواب التي تفتح وتغلق..
والآن ينتصب الباب في عمل حيدر، بأجزائه وتفاصيله..
أين يقع هذا الباب ... لا ندري ؟
ربما هو مجرد وهم كبير!
ماذا يحجب عنا؟ وكيف هنا؛ في ضمن هذا الإطار، يتوحد الرسام
والمتلقي؟
الباب يفضي إلى معبر ويدعو لاستقبال أحلامنا وذكرياتنا السحيقة
فيه؛
يدعونا لإيلاجها فيه، كون مذاق أنسجتها وألوانها القزحية لن يغرّنا
بطبيعة السرور المختبئ هناك في الما وراء.
المزاليج والمغاليق، الصدئة غالباً، تستدعي فينا جوهر الآلية
الإيمائية للفتح والإغلاق كما لو للوجود والعدم. الباب المنقوش أو
المرسوم يحرس أزلياً، كالعنقاء، تساؤلاتنا الوجودية كي يجعلنا
واقفين دائماً أمامها.
يا للمفارقة! السماوات تبدو منبسطة، كقماشة اللوحة، إذ تستحيل فيها
الخشونة إلى نعومة كحرير الطين لحظة خروجه من الفرن مطبوعاً بآثار
العصافير المهاجرة، نرى تكراراً ل "7"، وهو الحرف الذي تبدأ به
مفردات السرعة والشراع والريح بالفرنسية. هكذا تتوجه الأقدار إلى
الرياح، وهكذا ترسم اللوحة لنا الأمزجة الملونة لروح متحررة من كل
قيد. ليس للّون اللازوردي حصرية السماء ولا حصرية قبتها. ثمة ذلك
اللامتناهي في جزيئات الرمل التي تشحن الألوان في لوحات حيدر.
وثمة زوبعة رملية تحيّرنا. وأنا إذ أنظر في لوحات حيدر، أنسى ما هو
الأعلى وما هو الأسفل، ما هو إلى اليمين وما هو إلى اليسار، ولا
أستطيع تحديد أيٍّ من الاتجاهات الأربعة الرئيسة. إلا أن الهواء
فيها ليس مثقلاً ولا خانقاً، كما هو مفترض. بل هو بالأحرى موضوع
للفتوحات، فتح من أجل السكينة وفتح من أجل الزمن المعلّق. صفحة
السماء تثبت الانطلاقة الأزلية لعدد لا حصر له من الحضورات
الدقيقة، المذررة والملونة، عدد لا حصر له من الحضورات غير القابلة
للتعريف. الطفل المستلقي، ظهره إلى كثيب الرمل وعيناه إلى السماء،
سيعرف سعادة الوجود ضمن هذا الإطار.
ويد حيدر إذ تلتقط اللون أو المادة، تغدو تلك اليد التي تمسك
خيطاً في طرفه ترفرف الطائرة الورقية التي تحاور نظيره المتلقي.
تييري كاردون
فنان فوتوغرافي
1998، تحديث 2007
|