Oraib Toukan

 

فتنة السرد على الأبواب
موسى الخميسي

 تتحول الأشكال في العمل الفني عند حيدر إلى ما يشبه الإشارات والرموز والدوائر، كعناصر فنية مبعثرة من دون تنظيم أشبه ما تكون صوراً متداخلة كأنها صنعة كولاج، تختبئ داخل مساحات شبيهة بالأبواب والشبابيك، لتشكل مصدر تجريب الفنان، في لعبة حوار لوني. الشكل عنده يتسع بامتداد تلك المساحات، ليحتوي قوى غير مرئية تُظهر أحياناً قدرة الفنان في لحظة الخلق ونشوته ورغبته في تكامل الشكل وتجاوبه، على أن يكون كل ما يرسمه داخل وحدة السطح، حيزاً لتلاقي النقائض. يتعايش هذا الجمع الغريب من الأشكال بعضها مع بعض، في وحدة وجودية مطلقة، ليتضح من خلالها الخطاب التشكيلي الذي يرتجيه، بوصفه لغة بصرية تواصلية سابقةً للكلام متجاوزةً حدود المكان واللحظة الزمنية.

هنا تتفتح تعابير الأشكال التي يعرضها حيدر أمامنا في سطح اللوحة، بمشاهدها الفجائية الرائعة، ليبدأ أمام كل لوحة، سؤال حول ما يريده من تلك الإشارات والرموز والتعاويذ والمفاتيح والمغاليق، إلى جانب المسافات المحسوبة بالقياسات الرياضية وهي تأخذ شكل الأرقام والأسهم والدوائر والنقاط، يتشكل منها نوع من الحوار الحضاري مع الآخر، في اندماج بصري ذي توجه فضولي، وهي النقطة التي تظفر بها نفس المتلقي، لتطرح تساؤلاتها بفرح، وهي رحلة للكشف والارتياد، رحلة التأرجح والتردد، بهذا الكم من التفاعلات التي قد تخص المتلقي نفسه أكثر مما تريده وتسعى إليه التأملات الرمزية الباطنية التي يريدها الفنان. إنه يتنقل من لغة إلى أخرى بعيداً عما تراه العين في ظواهر الطبيعة والحياة، غير متتبع لظواهر الخطوط والكتل وقياس مساقط الأضواء والظلال على السطوح كما فعل عدد من الفنانين الأقدمين من قبله. 

يحاول حيدر إخراج أعماله من غلافها المقدس إلى ما هو حياتي، يومي، وعادي، ينفض عن كاهلها العبء التقليدي في صناعة فنية أشبه ما تكون بالمهمة التي تمتلك نظاماً وقياساً مختلفين،كما تمتلك إيقاعاً يتسم بالرهافة، يبدو في العديد من الأعمال الفنية وكأنه أبلغ تناسقاً وأنفذ دلالة، يمتزج بذاكرة الناس في الحاضر، ليحول الحساسية العاطفية، وهي ملكنا كمشاهدين، إلى حساسية فنية خاصة بالمبدع نفسه، من خلال قدرته المتميزة بالصنعة على تجسيد الانفعالات وتنظيم العواطف، أي القدرة على الصياغة أو البراعة في الصنعة، عبر إعادة القبض على تكاملها الشكلاني الذي هو بعهدة ذاكرتنا اليومية، كأنه يحاكي عملية ترويض شكل الباب والشباك، وما تحمله من أحاسيس الخوف والكآبة والفرح.  

هذه الاستعارات التي نجدها عند حيدر، نجد فيها كمّاً من التاريخ الجماعي يمتلك معناه لأنه مليء بالمغامرات والانكسارات والأحاسيس المختلفة، التي يوغل من خلال مقاطعها وشذراتها إلى حدود الألم والرغبة. إنها من جانب آخر محاولة بناء جديد بتشكيل علاقة بين الشكل الهندسي للوحة ومضمونها، يلغي بها حيدر تشظيات الحدود الافتراضية لعالم الباب أو الشباك داخل فضاء العمل أو حتى تكراره كدلالة بث إيحائي محيلاً المتلقي إلى أجواء ومناخات مفهومية وشبه سوداوية بحنينها العميق حتى وإن كانت ألوانها متألقة. 

إنه فنان منظم لأحلامنا، ساعٍ لاجتلاء الأسرار والتسامي بها، عبر الاختزال التصويري القائم على ما يشبه الحدس من أجل الوصول إلى جوهر الشيء.

وهو يبتعد عن النمطية في أسلوب تركيب اللوحة، يجتهد حيدر في إشاعة جو من التنويع الحار، وهو تنويع في أسلوب نسج العلاقة في ما بين تلك العناصر، يقسم لوحته بمهارة متميزة تقوم على التناظر والتقابل والتضاد وما إلى ذلك من تقنيات بصرية يفتتن بها ويفتتنا بأسلوب تقديمه،كل جزء فيها أشبه بالسرد المتنامي يفيض بالحركة الداخلية الانفعالية. 

مثل هذا التواصل تضيع فيه مسافات كثيرة، ما بين القصدية والتقنية، انطلاقاً من أن التحليل الظاهراتي للعمل الفني ينتهي إلى رؤية الموضوع الجمالي بوصفه موضوعاً قصدياً. وكل عمل فني من أعماله يتمتع باستقلالية ذاتية تساعده على الانحسار ضمن الإطار الخارجي للوحة التي هي أشبه بباب أو شباك بيت، يتشكل بانورامياً أكثر إفلاتاً من أن ينحصر في حدود معينة، إذ إن حيدر يراعي بحذق وذكاء هذا التدفق العاطفي الحزين في إطار ما هو حركي، وتصادم ضوئي ولوني، مؤكداً الفروقات اللونية والحركية، من خلال تشتت الوحدات التشكيلية الصغيرة، أو ما يريد خلقه في بنية الباب أو الشباك المعمارية، وهو الأمر الذي يجعل الأعمال في تحولها الانفعالي، خاصة إذا ما تنقلت بالبصر عبر اللقطات المتجاورة، أشكالاً تتدفق من الأعماق، مصحوبة برغبات تريد رؤية النور.

موسى الخميسي
روما، 2007

 

 

press clips
summer academy
currently on
workshops

انظر أيضاً:

> أدونيس وحيدر: حوار بين الشعر والرسم والكولاج
> الكولاج عند أدونيس: رسوم ذاتية لأشياء متعددة، بقلم آلان جوفروي 
> معلقات أدونيس، بقلم زياد دلول
> فضاءات حيدر، بقلم تييري كاردون 
> علامة الباب والنافذة، بقلم عبد الرحمن طهمازي 
> فتنة السرد على الأبواب، بقلم موسى الخميسي


>
نحن، عمل انشائي للفنانة السورية بثينة علي
> أعمال فنية مستوحاة من الشعر، مختارات من مجموعة خالد شومان الخاصة