English Version <

 

 جيرالد مات يحاضر  عن أعمال آمال قناوي في دارة الفنون، في 28 / 1 / 2007

حوار آمال قناوي مع جيرالد مات، مدير متحف الفنون في فيينا

وكان جيرالد مات قد أجرى حواراً مع الفنانة قناوي يكشف عن المفاصل المهمة في تجربتها الإبداعية، وتالياً مقاطع من هذا الحوار:

-ما هي علاقة أعمالك بالسوريالية، وما هي دلالات الرموز (الموتيفات) التي تتكرر في أعمالك؟

من المعلوم أن العمل الفني يقوم أساساً على فكرة. لذا فإنني حينما ألجأ إلى استعمال موتيفات بعينها، لا بد أن أعي مسبقاً الفكرة التي أريد التعبير عنها من خلال كل موتيف. غير أنني أقدم هذه الموتيفات بدلالات ومعانٍ غير معلومة لدى الآخر–المتلقي، وبحس يعبر عن وجهة نظري الخاصة، كاستخدامي لموتيف "الفأر" مثلاً؛ فالفأر كما ينظر إليه الناس، حيوان جبان، ضعيف، يثير الاشمئزاز والتقزز، ولكنني في أعمالي أصوّره على أنه حيوان قوي يقوم بالتهام أجزاء من جسد بطلة فيلم "غابة بنفسجية اصطناعية".

هنالك موتيفات تتكرر في أعمالي، وهناك موتيفات أخرى تحضر أحياناً، ولكن دون تكرار، وهذه وتلك على السواء، أسخرها للتعبير عن أفكاري، كاستخدامي للشرنقة التي ترتبط لدي بفكرة الحياة والموت والعلاقة فيما بينهما. وربما أستخدم موتيفاً محدداً للدلالة على غير معنى، وأحياناً أستخدم موتيفات عدّة للدلالة على معنى واحد.

وكنتُ في بواكير تجربتي لجأتُ إلى استخدام الموتيفات المرتبطة بالحلم، والتي أرى أنها قادرة على التعبير عن الذات واستفزاز اللاوعي، والكشف عن المشاعر الإنسانية على اختلافها، وكان هذا اللجوء شكلاً من أشكال التحايل على الرقابة المفروضة على الأعمال الفنية. 

-نلحظ طغياناً لألوان بعينها في لوحاتك، فما هو السبب في ذلك؟

أنا أنظر إلى اللون على أن له وظيفة عليه القيام بها ليس إلا، وهذا يفسر عدم انبهاري بكثرة الألوان المسكوبة على اللوحة، لأن ما يشغل تفكيري هو أن أتمكن من التعبير عما يجول في ذهني من رؤى وتصورات، وما يتدفق داخلي من مشاعر. وكما يتضح في أعمالي، فإنني أميل غالباً إلى استخدام اللونين الأسود والأرجواني؛ الأول أصنع به خطوطاً، خاصة أنه يستطيع أن يطمس أي لون آخر سواه، والثاني أوظفه للدلالة على المكونات ذات الأثر الحيوي في الجسم (الدم، الأنسجة، الأوردة...).

-إلى أي مدى يمكن القول إن العادات والتقاليد الإسلامية تشكل إطاراً لعملك، وهل تعبرين عن ذلك بطريقة مباشرة أم غير مباشر؟

لا يمكنني –كفنانة، وكإنسانة قبل ذلك- فصل العادات والتقاليد الإسلامية عن عادات المجتمع الذي أعيش فيه وتقاليده، كما لا يمكن القول إن هذه العادات والتقاليد تخص مجتمعاً إسلامياً وحده، فهناك كما تعلم مجتمعات إسلامية في مختلف بقاع الأرض، غير أنها تتباين في هذا الجانب تبايناً كبيراً. الإسلام يشكل مكوناً رئيسياً من ثقافة المجتمع، ومن خلال تجربتي الفنية جعلت أعمالي تعبر عن مجتمعي المصري بعاداته وتقاليده التي ترتبط بشكل أو بآخر بالعادات والتقاليد الإسلامية.

-هل تعبر الرموز "الأوتوبيوغرافية" التي من الممكن أنها تشير إلى "السيرة الذاتية" التي تركزين عليها في أعمالك عن الجرح والألم؟

لا يقوم مشروعي الفني على إنجاز سيرة ذاتية لي أنا آمال قناوي، لكنني أستخدم "صورتي" كمصدر للتعبير عن أعمالي ومشاريعي، وأظن أن ذلك يمنح العمل مصداقية وأمانة عالية، أتمكن عبرها من إيصال المشاعر والأحاسيس الخاصة بالموضوعات التي أركز عليها.

كما إنني أرى أن ذلك الاستخدام يسير في خطّ موازٍ للتعبير عن تواصل الحياة، لذا فأنا جزء مما أعمله.

-هل تشكل "النسوية" مركزاً لأعمالك أو جزءاً رئيسياً فيها.. قارن عدد ممن شاهدوا أعمالك وكتبوا عنها بينها وبين أعمال فنانات آمنَّ بفكرة المساواة بين الرجل والمرأة من أمثال: لويس بورجوا، إيفا هس، وكارولي شنيمان... في ضوء ذلك، ما هو المنهج الفكري الذي تجدينه الأقرب لك، وما هي المدارس الفنية التي تجدين أنها الأنسب للتعبير عن أفكارك؟

بداية، أظن أن مقارنة عملي بأعمال فنانات أخريات ركزن على موضوعة المساواة بين الرجل والمرأة، آتٍ من كوني فنانة "أنثى"، إلى جانب استعمالي لبعض المفردات البصرية والموتيفات التي استعملتها هؤلاء الفنانات، غير أن الفرق هو أنني حمّلت هذه الموتيفات داخل عملي  دلالات مختلفة عن الدلالات التي استعملنها.

أما حول الشطر الثاني من السؤال، فإن عملي لا يقوم على تخطيط مسبق للتركيز على اتجاه نسائي، إذ أنني أعبر عن مشاعر إنسانية وموضوعات اجتماعية تهم الإنسان: رجلاً كان أم امرأة. وأرى أن المجتمع له تأثيره غير الخافي على الأشخاص الذين يعيشون فيه، ويتأثرون بثقافته وعاداته وتقاليده، ومن هنا تركز أعمالي على كشف تأثيرات المجتمع على علاقة الفرد الذي يعيش فيه بنفسه وبمن حوله. 

-على غير ما ألفناه في أعمالك من تركيز على فضاء مكاني متخيل لا وجود له على أرض الواقع، تستخدمين في عملك "سوف تقتل"، فضاءً مكانياً حقيقياً. هلا حدثتنا عن هذه التجربة، حيث كان المكان الذي اخترته يمثل فضاء يعبر عن مجموعة علاقات تتمحور حول فكرة القوة، وفي ضوء ذلك هل عملك يدور على صعيد الموضوع حول حدث سياسي معين؟

لعل قولك إنني أركز في أعمالي السابقة لـ"سوف تقتل" على فضاء مكاني متخيل، ليس دقيقاً تماماً، إذ ليس كل أعمالي تدور في مثل هذا الفضاء، ففي "الحجرة" مثلاً كنت أحاول الكشف عن الصورة السطحية للمجتمع، لذا تعاملت مع المكان الحقيقي والمتخيل على حد سواء، وحتى أبرز التناقض بين الشكل الخارجي وبين الداخل، قدمت صورتين للمكان، يظهر في إحداهما حقيقياً وفي الأخرى متخيلاً.

أما في عملي "سوف تقتل" فقدكان الفضاء المكاني يعبر عن مستشفى عسكري للجيش الإنجليزي، وكان في الفيديو فضاء مكاني متخيل وليس حقيقياً، لكنه حمل ملامح تدل عليه.. في هذا العمل أردت التعبير عن القوة التي تتجلى مباشرة في مفردات: الحرب، الجيش، والقتل...

أي، إن العمل له علاقة بفكرة العنف بشكل عام، دون أن أقيد هذه الفكرة بحدث سياسي معين، العنف قد يكون شخصياً، وقد يرتبط بفكرة القوة التي تظهر في الحرب.

-كيف تنظرين إلى مفردات: العنف، السلطة، السياسة؟

أنا أرى أن هذه المفردات الثلاث ترتبط بعضها ببعض، والجزء فيها يعكس الكل. وهناك محيط عام لعملي يقوم على فكرة العنف.

-في ظل التغيرات التي تشهدها الساحة الفنية في مصر، كيف تنظرين إلى موقعك في هذه الساحة؟

منذ وقت قصير، وحتى الآن، تتبع معظم قاعات العرض والأنشطة الثقافية المختلفة، جهات حكومية خاصة بوزارة الثقافة، أنا شخصياً أقف على الضد من فكرة المركزية التي تخلق نوعاً من "الاحتكار" للأفكار. هنالك عدد من الفنانين يقدمون في أعمالهم ما يتماشى مع ما ترغب به الجهة التي ستعرض أعمالهم. أنا أرى أنه يجب أن تكثّف النشاطات الفردية للفنانين في الجاليريهات أو المؤسسات الفنية..

منذ منتصف التسعينيات، بتنا نلاحظ نشاطاً دولياً للفنانين المصريين غير مرتبط بجهة حكومية أو جاليري معين. هناك نشاط فردي يمارسه الفنان بحرية ولامركزية.

 

-كيف تنظرين إلى تجربتك في معارض جماعية قائمة على تقديم مفردات الثقافة الإسلامية أو الشرقية انطلاقاً من وجهة نظر محددة مسبقاً، دون الالتفات إلى الفروق بين مجتمع وآخر؟

أنا أحتكم إلى محددات أو قوانين في قبولي المشاركة في أحد المعارض أو رفضي المشاركة فيه، فانا أهتم كثيراً بعنوان المعرض وموضوعه، فإذا ما نُظم معرض حول الفن في المجتمعات الإسلامية أو في الشرق الأوسط مثلاً، وكنت ضمن المشاركين فيه، فأنا أسعى إلى تقديم موضوع مختلف تماماً عمّا هو متوقَّع، حتى لا أخدم فكرة المعرض المسبقة.

-هل ترين أن الفن المصري ما يزال منعزلاً عن ساحة الفن العالمية؟

نعم، الفن المصري ليس على اتصال وثيق بتطورات الفن في العالم. لا يوجد معارض دولية بالمعنى المحدد، هناك فعاليات فنية خاضعة لمؤسسات حكومية.

-تستعملين أكثر من تقنية فنية في إنجاز العمل الواحد، كما إن دراستك كانت تقوم على التعدد والتنوع، كيف أثرت دراستك والتقنيات المختلفة التي تستعملينها في إنجاز لوحاتك في تكوين لغتك الفنية؟

منذ الصغر وأنا أحب تصميم الأزياء، وكنت آنذاك لم أتجاوز السادسة بعد، عندما كبرت أردت دراسة الرسم، والأزياء، والفيلم، لذا التحقت العام 1997 بمعهد السينما لمدة سنتين ثم درست الديكور وتصميم الأزياء، غير أنني أحببت أن أغير دراستي لأن طبيعة الدراسة في المعهد كان يسيطر عليها الجانب الأكاديمي البحت، اخترت في العام 1999الدراسة في كلية الفنون الجميلة، فوجدت أن دراسة الفن في مصر ينقصها أشياء كثيرة على المستويين النظري والعملي، لذا قررت أن أنجز أعمالاً فنية وأشارك في معارض، ونلت عن أول عرض لي  جائزة أحسن عمل فني نحت، ثم مثلت مصر في بينالي الإسكندرية الثالث والعشرين... التقنيات الكثيرة التي أستخدمها هي أدوات أعبر من خلالها عن أفكاري الخاصة، أنا سعيدة بقدرتي على التكنيك الذي أستعمله في أعمالي لأنه يمنحني الحرية في التعبير.

-هلا حدثتنا عن تجربتك في العمل مع أخيك عبد الغني، وكيف تشتركين مع فنان آخر في إنتاج عمل فني يقوم على موضوعات تركز على الذات، ثم كيف تطور عملك بعدما توقفت تجربتك المشتركة مع عبد الغني؟

بدأت تجربتي المشتركة مع عبد الغني في العام 1997، كنا نعمل ومترددين في عرض أعمالنا، لأن المعرض الأول لنا كان يجب أن ينطلق بقوة، وقد أسست هذه التجربة لحركة فنية، حيث بدأ عدد من الفنانين يتعاونون في إنجاز أعمالهم الفنية. قمنا بإنجاز مشاريع كثيرة نالت جوائز عدة.

آخر مشروع لي مع عبد الغني كان "ذاكرة مجمدة"، وكنا نعبر فيه عن انعزال الفرد عن محيطه وعن نفسه رغم أنه يعيش في مجتمع، تماماً كالتروس في الماكنة المتحركة.

أنا قمت بالعمل على فكرة الذاكرة التي تمثل العمر الحقيقي للإنسان وليس العمر الفيزيائي.

وأربط التطور بالتطور الخاص بتجربتي الشخصية، وخبراتي التي اكتسبتها. التطور لا علاقة له بالانفصال، فعبد الغني ما يزال يساندي.

بدأت أسأل نفسي عن رسالة الفن، بدأت أحس أن الفن أكثر لغة أستطيع التعبير من خلالها عن نفسي ومجتمعي، وكلما كانت صادقة أكثر تمكنت من ترجمة الواقع ووجهة نظري عن الحياة والوجود. الفن ليس مشروعاً للعرض، إذا لم يكن لدي موضوع على درجة عالية من الصدق فإنني لا أعمل عليه.

-تعرض أعمالك الآن في دارة الفنون بعمّان، هلا قدمت لنا تلخيصاً عن فكرة المعرض؟

هنالك علاقة تجمع أعمالي وتربطها ببعضها بعضاً، وأهمها السمة البنائية، فللمرة الأولى يقام معرض لي يتناول تطور مشروعي الفني بنائياً.

-المشاهد لعملك يجد أنك تركزين على تقطيع المشاهد السردية دون أن يكون هنالك إيقاع منتظم للزمن (الوقت)، إلى ماذا تحتكمين في هذا التقطيع اللامنتظم في عملك الفني، وما هو الأسلوب الذي تبنين عليه إيقاع العمل الزمني؟

الإيقاع الزمني أداة وظيفية، كيف أجمع مشاهد مختلفة للتعبير عن موضوع معين. في "الحجرة" مثلاً حمل الفيلم مضموناً ورسالة واضحين جداً، وكان له طبيعة سردية محددة، أما "الغابة" و"سوف تقتل" القائمان على التقطيع، فقط كنت حريصة على عمل مونتاج مبدئي للعمل؛ ما هو ترتيب المشاهد، وكيف يتم الربط بينها وبين الموسيقى.. حيث لا تجد في الموسيقى نغمة محددة مما يخدم الإحساس بالتوتر.

 

 

انظر أيضاً:

> آمال قناوي
-  
سوف تقتل - فيديو ورسوم متحركة وتصوير
الغابة البنفسجية الاصطناعية - فيديو
ورسوم متحركة
ذاكرة مجمدة - فيديو
الحجرة - فيديو  وأداء فني
-  حوار آمال قناوي مع جيرالد مات، مدير متحف الفنون في فيينا
-  الفتاة والموت، مقال بقلم سيمون نجامي


>
أنتييه ماجيوفسكي

press clips
summer academy
currently on
workshops