English Version <

 

 

الفن الآن في لبنان

"متحجرات" ريّان تابت هو عمل إنشائي مكون من مجموعة حقائب سفر قديمة مغطاة بالإسمنت. ومن ناحية الشكل، هو دمج لفكرة اللحظية الموجودة في عمل منى حاطوم "حركة نقل" (وهو نحت أنجز سنة 2000 يصوّر حقيبتين ينسكب من جوانبهما شَعْر إنسان، يوصل الواحدة بالأخرى)، مع جدية عمل راشيل وايتريد، "بلا عنوان (زوج)" (وهو عمل إنشائي أنجز سنة 1999 ويتألف من 18 قطعة من ألواح دفن الموتى مصبوبة بالبرونز، مطلية بالأبيض، ومزدوجة، أحدها محدب والآخر مقعّر). 

عُرض عمل ريان تابت الإنشائي للمرة الأولى في بيروت في صيف سنة 2006. وقد أطّرَ مدخل معرض يحمل عنوان "بيوت متنقلة" ، افتتح في السادس من تموز في قاعة عرض صفير- زملر في الكرنتينة. عرض الفنان هذه الحقائب ذات الأحجام المختلفة على أرضية القاعة، ورتبها على نحو ثنائي وثلاثي لتمتد في فضاء المدخل المحايد من الجاليري الذي تزيد مساحته على 1000 متر مربع، والذي كان في السابق مصنعاً أو مخزناً. كما انتشرت بضع حقائب أخرى بصورة منفردة ومعزولة. 

احتل عمل تابت هذا مكانه في معرض يضم أعمال فنانين مرموقين ومعروفين عالمياً.  وهي بداية لا بأس بها لشاب في الثالثة والعشرين يعرض أعماله للمرة الأولى في صالة عرض. ثمة قسوة منافية للضمير، فبعد ستة أيام من افتتاح المعرض شنّت إسرائيل حرباً على لبنان. وعلى مدى أربعة وثلاثين يوماً كانت البلاد تحت القصف والحصار. فجأة، أصبح العمل -الذي أُعدّ برؤية تتأمل تاريخ الحروب في لبنان، وتتناول الأضرار النفسية المتراكمة والأنماط السلوكية المفجعة التي أوجدتها هذه الحروب- غارقاً في سياق الحرب في الراهن. وهكذا جُردت الحقائب المغطاة بالإسمنت من تأملها للماضي بتفكُّر، لتتحول إلى صدى عميق للواقع. 

يسجل المعرض الذي أقيم في دارة الفنون بعنوان "الفن الآن في لبنان"، في الفترة 4 آذار - 29 أيار، العرض الثاني لعمل تابت المسمى "متحجرات". في هذه المرة تظهر القطع المعروضة بثقل أكبر، كما تبدو أشكالها ذات خطوط أكثر انسيابية، فضلاً عن أن سطوحها أوغلت في التجريد. لقد قام تابت، أثناء السنوات التي تخللت الحرب، بإضافة طبقات جديدة من الإسمنت على الحقائب. فأصبح تأثيرها مرعباً. إذ أوجدت سماكة الإسمنت مظهراً مادياً للتراكم الكوارثي الذي يكشفه تاريخ العنف في لبنان، ومحاولة عاطفية حميمة للحفاظ على العقل سليماً من أي أذى. 

لا يقدم معرض "الفن الآن في لبنان"، المنظم من قبل أندريه صفير – زملر، عرضاً استعادياً كاملاً لممارسات الفن الناقد التي ظهرت في بيروت خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة، كما لا يقدم مسحاً للإنتاج الثقافي المعاصر في لبنان بصوره المتجلية اليوم. وإنما يقدم مجموعة منتقاة من أعمال فنانين تتلاقى موضوعاتهم واستراتيجياتهم بقدر ما تفترق. ويستفيد المعرض استفادة بشكل بارع من الفضاءات المختلفة التي توفرها قاعات دارة الفنون، ويتكئ على ما يومئ به تنظيمه، وهي إيماءات تجمع بين كونها حساسة وجازمة.  

يتضمن معرض "الفن الآن في لبنان" 39 عملاً لـ 14 فناناً وُلدوا خلال السنوات الممتدة ما بين 1964 و1983. هناك أعمال فيديو وتصوير فوتوغرافي وتخطيط وأعمال رسم أخرى على الورق بالحبر والألوان المائية، وكذلك أعمال نحت وخريطة كبيرة لبيروت (لمروان رشماوي) مصنوعة من مطاط قوي أسود يُتَوقَّع من زوار المعرض أن يمشوا فوقها، وهناك أيضاً أكوام من النصوص لوليد صادق، وملصقات لأكرم زعتري، الجمهور مدعو لاقتنائها. 

لبعض الفنانين المشاركين في المعرض نشاط فني يمتد لأكثر من عشر سنوات، وهم يتمتعون بحضور فني على المستوى العالمي. فوليد رعد مثلاً، شخصية محببة لدى نقاد الفن، وهو من الفنانين الذين عرضوا أعمالهم في دوكومنتا وبينالي فينيسيا وبينالي ويتني. أما زعتري وربيع مروّة فتُعرض أعمال جديدة لهم، بالتزامن مع هذا المعرض، في مركز بومبيدو بباريس في معرض يتمحور حول الشرق الأوسط تحت عنوان "القلقون"، (12 شباط - 19 أيار). وقد أنجز الفنان جلال توفيق ثمانية كتب، وسبعة أعمال فيديو، وخمسة مشاريع فنية استخدم فيها تقنيات فنية متعددة، وهو يُعَدّ جوهر عقل المجموعة. وهناك فنانون آخرون حديثو عهد بالمشهد الفني، مثل: ريّان تابت ورندا ميرزا، فكلاهما أنهى مؤخراً الدراسة الجامعية. 

من الجدير بالملاحظة أن معرض "الفن الآن في لبنان" أول معرض كبير من نوعه يقام في العالم العربي منذ المعرض الذي أقيم في قاعة تاون هاوس للفنون المعاصرة في القاهرة بعنوان "صلات مفقودة"، وهو المعرض الذي نظمته كريستين طعمة، من مؤسسة أشكال ألوان، سنة 2001. لم يتم تنظيم معرض بهذا الحجم قط في بيروت. في كل عام يستضيف متحف سرسق في لبنان معرض صالون الخريف، وهو معرض توجَّه الدعوات للمشاركة به، وتخضع أعماله للتحكيم، ولعله يقدم أدق عيّنات الفن المعاصر المنتشر في لبنان. غير أن النتائج تكشف عن وجود أعمال متفاوتة الجودة. أنشأت مؤسسة أشكال ألوان منتدى "أشغال داخلية" سنة 2001، وهو يلقي الضوء على الهموم المشتركة بين الفنانين الذين يعملون على أحدث المستجدات في المشهد الفني. غير أن امتداده لا يقف عند حدود المحلي أو الإقليمي، وإنما يذهب إلى العالمي على نحو يثير الإعجاب ويحتضن الحوار الذي يؤثر في الأعمال الفنية المعاصرة، ويجعلها مركبة، وينبثق عنها. تشدد المعارض اللبنانية الأخرى التي أقيمت مؤخراً في الدول العربية على اللوحة والنحت لفنانين من أجيال سابقة، بدلاً عن الممارسات القائمة على المفهوم كما هي الحال لدى الفنان صادق، على سبيل المثال، وهي ممارسات أساسية كان لها دور رئيس في إعادة تحديد وظيفة الفن المعاصر وغاياته في لبنان، كما حولت الفن من فن تزييني مجهّز إلى أداة للنقد.  

يقودنا هذا إلى ذكر معارض لبنانية تتمحور حول بيروت أقيمت خارج المنطقة، مثل المعرض الذي نظمته كاترين دافيد بعنوان "تصورات عربية معاصرة"، والمعرض الذي نظمته سوزان كوتر بعنوان "خارج بيروت". إن معارض كهذه، في ظل وجود فقر بالبنية التحتية المؤسساتية للفن المعاصر في العالم العربي، تبدو حاسمة في كتابة تاريخ الفن في المنطقة، وإرساء معالمه. 

يحمل معرض "الفن الآن في لبنان" إلى الجمهور المهتم بالفنون في عمّان نماذج تبيّن كيف ولماذا أصبح المشهد الفني المعاصر في بيروت يمتلك هذا القدر من القوة المؤثرة. فعلى امتداد السنوات الخمس الماضية أسهم عدد من الفنانين المشاركين في هذا المعرض ببيناليات ومعارض ومهرجانات للأفلام وعروض للفيديو والمسرح والفنون الأدائية على المستوى العالمي. كما أفردت بعض الدوريات الفنية أعداداً خاصة عن بيروت. في العام 2007 دشن لبنان جناحه الوطني في بينالي فينيسيا، وهو أحد البلدان العربية القليلة التي تملك فيه جناحاً. في عدد صيف 2007 من "آرت جورنال"، قال الناقد الفني ت.ج. ديموس: "على الرغم من ابتعادها جغرافياً عن عواصم الثقافة في أوروبا وأمريكا، برزت بيروت بوصفها ذات مركزية تامة لأكثر الأسئلة إلحاحاً -في السياسة وعلم الجمال والأخلاق والمؤسساتية- التي من شأنها تحريك نشاط الفنانين والقائمين على الفنون اليوم". 

منذ مطلع التسعينيات من القرن الماضي أوجدت بعض المنظمات المستقلة بنيات تحتية بديلة للتعبير الفني، مثل "أشكال ألوان" و"المؤسسة العربية للصورة" و"بيروت دي سي" و"ارتجال" و"Ne a Beyrouth"، واستُحدثت قنوات جديدة مثيرة للفضول لإنتاج الأعمال الفنية وعرضها. وقد عمل أغلب الفنانين المشاركين في معرض "الفن الآن في لبنان" مع هذه المؤسسات. ولذلك كان بإمكانهم ممارسة عملهم، في بداية الأمر على الأقل، في جو متحرر نسبياً من ضغوط التسويق الفني. فانتقلوا نتيجة لذلك، من أعمال الرسم والنحت إلى إنتاج أعمال فن الفيديو والفن الإنشائي التركيبي، مخلفين وراءهم شكليات أسلافهم ليبدعوا طرق تعبيرهم الخاصة. ولعل من أكثر الأمور لفتاً للنظر أنهم استخدموا فنهم لسبر غور عدد من الأسئلة الملحّة التي تواجه المقيمين في لبنان اليوم، وهي أسئلة تتعلق بالتاريخ والهوية والذاكرة والنسيان والصدمات العنيفة والهستيريا، وكيف أثرت الحروب والنزاعات في التجربة الحياتية، والطبيعة الهشة للفردية والمواطنة وآلية العقل والوجود في مجموعة متخيلة من الأنداد (يربطهم وضع اجتماعي أو فكري بدلاً من الرعاية والولاء) داخل دولة ضعيفة طائفية، يقع على كاهلها عبء القضايا السياسية المستعصية في المنطقة. 

لدى السير خلال الفضاءات التي يضمها معرض "الفن الآن في لبنان"، يلاحظ المشاهد المباني التي دمّرها القصف، والرصاصات التي أضلّت طريقها، والمدرعات المصفّحة وصناديق مدافع الهاون المدفونة، ليستنتج أن الأشياء التي يتضمنها المعرض هي أدوات حربية. هكذا تبدو. غير أن الانعطافة الأكثر نجاحاً في المعرض أنه يعزز الفكرة القائلة إن الفن المعاصر في لبنان مهووس بالصراع السياسي، ويظهر حقيقيتها. 

قد يوجه بعضهم انتقاداً إلى المعرض لكونه أفرط بالأمور السياسية على حساب الجوانب الجمالية، حيث يبدو فيه أن كل عمل فني هو عرض صحفي ، أو دراسة اجتماعية للحرب، سواء أكانت الحرب الأهلية التي استمرت خمس عشرة سنة، أم حرب صيف 2006، أم امتدادات ما يسمى "الحرب الأهلية الباردة" التي أدت إلى الانهيار المتتالي للدولة اللبنانية أو شلّها وترحيبها بالتدخل الدولي من كل مكان، ما بين الحرب الأهلية حتى حرب 2006، ومنذ نهاية حرب 2006 حتى الآن. قد يقول بعضهم إن هذا الفن قاس ويقدم القليل من الراحة البصرية. 

مما يدعم الفكرة السابقة كتابة العنوان الذي يتصدر الملصق الإعلاني للمعرض بحروف تقطع جزءاً تفصيلياً من الصورة الفوتوغرافية لأكرم زعتري "صيدا 6 حزيران 1982"، خصوصاً أنها تضم بإطارها ستة انفجارات على سفح جبل مهلهل فوق ثاني أكبر مدن لبنان بعد بيروت. 

غير أن عمل زعتري، في واقع الحال، تكوين رقمي ماهر. فهذه الانفجارات الستة تحديداً، والتي تعكس بشكل مخيف الغيوم البيض في السماء الزرقاء فوقها، لم تحدث في آن واحد. والأجدر، أن الفنان ربط بعضها ببعضها الآخر مستخدماً الصور الفوتوغرافية التي سبق له التقاطها بجهاز تصوير والده، كاميرا من نوع "كييف"، عندما كان في السادسة عشرة من عمره. الصورة لا تمثل الواقع، وإنما تعيد تكوين رغبة فتى مراهق للإمساك بما يتذكره من حادثة أسماها "ألعاباً نارية حقيقية". لا تعبر صور زعتري عن أحداث واقعية تعبيراً ملتزماً. إنها، بدلاً من ذلك، تكثف الحقائق لتصنع منها شيئاً متخيّلاً مرتبطاً ارتباطاً حميماً وعاطفياً مع ذاكرته الأولى في تصنيع الصور.

وعلى نحو مشابه، فإن الصور الفوتوغرافية التي قدمتها باولا يعقوب، بتضادّها الأبيض والأسود الحاد، والتي صوّرت من خلالها مباني عليها نُدب خلّفها الرصاص ونيران القنّاصة، وهي من مجموعتها المعنونة "صيف 88"، تعود إلى الوقت الذي كانت فيه باولا تطوف حول بيروت مع مصور صحفي كان حبيبها سابقاً. وصورها، أكثر من كونها صوّرت رعب الحرب، وثّقت أرضاً تحمل بصمات عاشقين في مقتبل العمر كانا يتحسسان طريقهما إلى المنافسة الفنية والنبض الرومانسي.

تلخّص تخطيطات مازن كرباج الصاخبة والرقيقة معاً والشبيهة بدفتر مذكرات، كيف تمضي الحياة أثناء الحرب، وكيف أن العناوين الكبيرة للصحف، والتغذية الإخبارية على امتداد أربع وعشرين ساعة، غير صحيحة في أغلب الأحوال، وكيف تمتد نتائج العنف السياسي إلى ما دون أعداد الموتى والجرحى بكثير، بحيث تشمل خيبة الأمل الجماعية لجيل برمّته، وهو الجيل الذي ينتمي إليه الفنان بطبيعة الحال.

وفي توازن يقابل الإحباط الذي عبّر عنه كرباج، تأتي مجموعة الصور الفوتوغرافية لزياد عنتر التي أنتجت لورشة تدريبية في مخيم عين الحلوة. يمثل كل عمل صورة شخصية، بطريقة أو بأخرى، لغطاء رأس وُضع على نحو بدا فيه كأنه نحت ناعم متقن الصنع. لقد كان على الفتيات المشاركات في الورشة التي أدارها عنتر بالاشتراك مع الكاتبة ومنظمة المعارض رشا السلطي، أن يضعن حجاباتهن بتنسيق فني على صفحة بيضاء ومن ثم يغادرن القاعة. وبعدها كان على عنتر أن يدخل القاعة ويوثق ما أبدعن.  وفي سياق تبادل تعليمي يهدف إلى إثارة الأفكار الحسّاسة والتعبير الفني، تمسك الصور بالومضات الخلاقة التي تطلق شعلتها عندما يمسك الناشئون بأدوات التعبير عن الذات. كان دور الفنان هنا ضئيلاً جداً.  فالمادة الجوهرية في هذه الصور الفوتوغرافية هي لون الحجاب ونقوشه والأشكال المصممة منه.

وكما قال الروائي اللبناني إلياس خوري: "المنتصرُ يكتبُ التاريخَ.. والمهزومُ القصصَ". لو خُدشت سطوح الأعمال التي يتضمنها معرض "الفن الآن في لبنان" للنظر إلى ما تحتها، أو لو أطال المرء الوقوف أمام هذه الأعمال لتفاعلَ مع الاستراتيجيات الحرجة الراهنة، ولتجلّى أمامه أن ما يظهر على السطح أعراض احتقان شديد نتيجة صدمات عنيفة، هذا التعمق يؤدي في نهاية الأمر إلى اكتشاف ما تحت الأعمال من طبقات متراكمة من المعاني والمواد. 

ربما لأنه لم يكن ثمة منتصر في حروب لبنان -على الرغم من الادعاءات الكثيرة المتناقضة، إذ أسفرت هذه الحروب عن هزيمة كل طرف من الأطراف بشكل أو بآخر- يميل منتجو الثقافة المعاصرة في البلاد (بمن فيهم الكتّاب وصانعو الأفلام السينمائية ومبدعو الفنون البصرية) إلى الاعتناء بالدرجة الأولى بتفكيك الآلية التي يُكتب بها التاريخ، وبدلاً من ذلك فإنهم يعيدون تشكيل القصص التي تولدت من خلال التجارب الحياتية. 

قد تكون الأشياء الموجودة في معرض "الفن الآن في لبنان" تتحدث عن الحرب، أو، على نحو أكثر إنتاجاً، يتم توظيفها كمحفزات سردية تقود إلى أمكنة أخرى تماماً. وبوصفها طرقاً من طرق الاستذكار، فإنها قد تقود إلى ذكريات مؤلمة جداً، ولكنها أيضاً تلهب الخيال بقصص ذات بعد أدبي، تتراوح ما بين كونها خرافية وكونها نابعة من خيال جامح، يتم تصويرها من خلال كوميديا سوداء وحدّة رقيقة. 

وفي عمل وليد رعد المسمى: "أتمنى لو أستطيع البكاء"، وهو عمل من ضمن مجموعة الفنان التي قدمها تحت اسم "مجموعة أطلس"، يظهر العميل رقم 17، وهو عميل مخابرات لبناني سابق، متخيلاً بصورة كلية. لقد كان من المفترض أن يسجّل هذا العميل النشاطات المشبوهة التي يلاحظها على امتداد كورنيش البحر في بيروت، ولكن غروب الشمس البرتقالية في أعماق البحر المتوسط عند الغسق سيطرت على ذهنه يوماً بعد آخر. تقدّم الصور الفوتوغرافية لرعد، والتي تحمل عنوان "الخدش على أشياء يمكنني أن أتخلى عنها" (الجزء 2)، رصاصات ضلّت طريقها كان الفنان قد جمعها سنة 1989. وهذه الأشياء، أكثر من كونها مخلفات حرب، مدوّنات توثق علاقاته، ويحتفظ بها بوصفها هدايا من حبيبات سابقات، أو مقايضات مع شقيقته. 

ثمة فيدو على شاشتي صوت لربيع مروّة بعنوان "أنا الموقّع أدناه"، يستقي موضوعه من قصة عضو ميليشيا سابق قدّم علانيةً اعتذاراً عما قام به أثناء الحرب الأهلية، رغم مرور اثنتي عشرة سنة على النزاع. يعلّق مروّة، بنص مكتوب على جدار مجاور للعمل، مبيناً أن هذا الاعتذار لم يؤخذ على محمل الجد. يظهر وجه الفنان الذي يكاد يكون مضطرباً، والذي تم تصويره بحركة بطيئة، مقابل نص لرسالة متخيلة لا هي اعتذار ولا هي اعتراف، ولكنها إدانة لاذعة للصفح والنسيان، وهي أيضاً مقالة نقدية صاخبة للفن واللغة. 

يقدم وليد صادق عملاً إنشائياً، بعنوان "حِدَاد في حضرة الجثّة" مكوّناً من كومة نصوص على منصة مع تخطيط صغير بالقلم مرسوم عالياً على جدار فوقها، ويربط العمل قصة عائلة تشيّع فقيدها، مع مخطوطة "الحداد والاكتئاب" لسيجموند فرويد، ومع حكاية تمثال نُقل من وسط بيروت. كما ترتبط القطعة أيضاً بقصة أخرى – غير موجودة في المعرض ولكنها موجودة في البروشور – تدور حول كوزو أوكاماتو، وهو شخصية مثيرة وحقيقية تماماً ولكنها غير منسية منذ الوقت الذي وحّد فيه الجيش الأحمر الياباني جهوده مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين للقيام بعمليات ضد إسرائيل، وهو الشخص الوحيد الذي مُنح حق اللجوء السياسي في لبنان. 

مجموعة الأعمال الفوتوغرافية التي تدفعنا للتذكر "النهاية"  للميا جريج، هي في الحقيقة صور اجتُثت من أفلام سينمائية التُقطت بواسطة كاميرا 8 ملم، وفيديوهات يبدو عليها الصدأ بسبب مواد كيميائية أو بتأثير عامل الزمن. تصف جريج هذه الأعمال على أنها "صور ذهنية" و"ذكريات الماضي عن تاريخ"، وهي تأمُّل في مسألة "العنف والفقدان وخيبة الأمل". "إنها ليست .. مشاهد جميلة من الطبيعة"، كما كتبت في نص مصاحب للعمل تقول فيه أيضاً: "ولكنها تحمل في ثناياها .. كل التوترات والصراعات والاضطرابات السياسية التي مررتُ/مررنا بها". تتناول الصور موضوع الحذف الذي تمارسه الذاكرة، وإعاقة السرد. ليس هناك قصص كاملة في سلسلة جريج. 

ومن الأعمال الأخرى الموجودة في المعرض، أعمال لا تروي حكايات، بل تنقّب بدلاً من ذلك في ظواهر غريبة، مثل صور "الخيام" لجوانا حاجي توماس وخليل جريج، والتي تمسك بدورات الدمار والتأبين لموقع مركز الاعتقال الإسرائيلي السابق في جنوب لبنان. لقد تحوّل معتقل الخيام، بعد الانسحاب الإسرائيلي، إلى متحف، فدمّرته إسرائيل في صيف 2006. ثم وُضعت على الموقع  لوحات إعلانية تحمل صوراً للمركز عندما كان سجناً. هذه الارتباك التاريخي واختزال الزمن في لحظة -وهو ما تمسكه الأعمال الفوتوغرافية لحاجي توماس وجريج- هي أعراض لا تقتصر على التجربة اللبنانية حسب، وإنما تظهر على أي مكان يُراجَع فيه التاريخ وتعاد كتابته بعد فصول من النزاع والاختلاف. 

ما هو مثير -ونادر- في "الفن الآن في لبنان" هو التأكيد غير الملحوظ على الشكل، وترتيب الأعمال الفنية المعروضة، بالإضافة إلى محتواها. نصوص وليد صادق، وملصقات أكرم زعتري تتخذ مساراً مختلفاً عن بقية الأعمال -وهي أقل ظهوراً من الفيديوهات والأعمال الإنشائية المستندة إلى الوثائق والأرشيف- وهو مسار كان له حضور فعّال في مشهد الفن المعاصر في بيروت منتصف التسعينيات، والذي يتضمن نصوصاً قصيرة يمكن توزيعها بسهولة، وبكلفة إنتاجية أقل، وتتحرك بحرية بعيداً عن الحدود التجارية في عالم الفن التي تمثلها المؤسسات العامة واشتراطات صالات العرض.

فن جلال توفيق: "فن ثانوي: ملصقات وأغلفة كتب مفاهيمية" هو استمرار لعمله الذي بدأه سنة 2000. تتضمن السلسلة حتى الآن 19 ملصقاً، ملخصان وثمانية من أغلفة الكتب. ومن خلال تجاور الصور والكلمات على كل واحد من ملصقات الأفلام "المتخيلة" أو على أغلفة الكتب، يكثف توفيق عملية التفكر بما وراء مقالاته الناقدة، و/أو تقديم تفسير عن الأعمال الحقيقية أو المتخيلة فيما يتعلق بظروف ثقافية واجتماعية وسياسية راهنة –الحجج، الإشارات، مواد البحث.. وجميعها استثمرت في تشكيل مواد للدراسة وتوليد النظرية- لتأخذ هذه الأعمال من خلال التكثيف شكلاً ثنائي الأبعاد ومستوياً. تزود أغلفة الكتب والملصقات بنماذج بصرية تشير إلى موضوعات معينة ونظريات وأفكار يكشف عنها توفيق في العديد من الكتب والفيديوهات والأعمال الإنشائية. وهو ما يسند الرؤية الثابتة والتوزيع الفطن لتلك المواضيع والنظريات والأفكار، مثل الاستشهاد، الزمن، التعاون غير المحدد بزمن، الموت، واللاموت. 

تغوص مجموعة الصور الفوتوغرافية "غرف مهجورة" لرندا ميرزا في أعماق ظاهرة المراكز الحضرية التي لن تُفرّغ بسبب الدمار فقط، وإنما أيضاً بسبب إعادة الإعمار والتأرجح الاقتصادي والتطور غير المتساوي. فالآثار الباقية التي تُركت فوق جدران الغرف المهجورة التي صوّرتها ميرزا تحكي التاريخ السرّي لحياة ناس طواهم النسيان منذ زمن طويل. وعلى نحو شبيه بالتأمل الذي يقوم عليه عمل ريّان تابت عن الحقائب المعدّة دائماً، يظهر في عمل ميرزا وجوب البحث في ثنايا تلك الفضاءات المهملة، سواء أكانت ذهنية أم مادية. البحث أمرٌ حيوي في مكان مثل لبنان، حيث التذكُّر غالباً ما يسحقه النسيان. 

ولد ريّان تابت سنة 1983. ما كان ينبغي له أن يتذكر الغزو الإسرائيلي. وقد كان في السابعة من عمره فقط عندما انتهت الحرب الأهلية اللبنانية. لكن عمله المسمى "متحجرات" يعود بالذاكرة إلى طفولته، وإلى ما لا بد أن يكوّن حدود ذاكرته، فيتذكر تجربة ذهابه إلى النوم كل ليلة، حيث حقيبة مزودة بالاحتياجات الأساسية، وموضوعة عند طرف السرير، استعداداً للمغادرة في الوقت الذي تتصاعد فيه الاعتداءات التي كان من الممكن أن تجبره وعائلته على الفرار. ومن المؤسف أن هذه الحالة مستمرة لغاية الآن، إن لم يكن فور نشوء حرب، فسيكون بسبب الركود الاقتصادي والسياسي. 

وحسب وصف أندريه صفير-زملر عشية حرب 2006، يبحث عمل تابت عن العلاقات المتناقضة بين ثقل الوزن وخفّته، ألم العيش في أثناء الحرب والحاجة إلى امتلاك الخفة والرشاقة والقدرة على الحركة السريعة. وعلى التو، يوحي ترتيب الحقائب بطريقة معينة بأنها مجموعة قبور منظّمة في مقبرة؛ شبكة مبانٍ مهدمة؛ وتشتت عائلات دُفعت إلى المنفى. والمادة هنا مرجعيتها قوام مدينة بيروت. 

في شهادة عن تجربته الفنية، يقول تابت عن عمله "متحجرات": "إنه تأمل في سيناريوهات حرب متقلبة بعد أن جرى تطبيعها. فكوننا مأخوذين بفكرة أن علينا ترك بيوتنا في أي لحظة خلال الحرب الأهلية -وعلينا في الحقيقة أن نحزم حقائبنا مسبقاً تحسباً للطوارئ- أصبح لدينا ]عادة[... وبشكل ما حوّل الإسمنتُ حقائبَ السفر هذه إلى متحجرات، أو نصب تحمل في ثناياها مأساة لحظة معينة. لقد أصبحت الحقائب موضوع دراسات، وهي صالحة لأن تكون نقطة مرجعية عن حياة الناس في بلد ما". 

على مدى خمسة عشر عاماً، سبر الفنانون في بيروت غور تاريخ حروب لبنان وتجربتها، وعجنوه من أجل أن يبدعوا أعمالاً تكون بدورها ناقدة ومحرّضة ولاذعة. والهدف ليس السعي إلى إيجاد معنى الحرب، بل الأجدر استعادة قوة المعنى وقدرته بعد انحباسه الكامل. 

لعل توزيع معرض "الفن الآن في لبنان" ما بين البيت الأزرق والمبنى الرئيسي في دارة الفنون عمل وهمي من أوجه عدة. فتقسيم المعرض تبعاً للأجيال ما بين فنانين ناشئين وآخرين محترفين ليس على هذا القدر من القوة التي يبدو عليها. وبوسع المرء أن يتخيل بيسر تنظيماً بديلاً تكون فيه منحوتات تابت ورشماوي، أو أعمال عنتر وزعتري الفوتوغرافية ومجموعات ميرزا ويعقوب متجاوبة بقوة مع بعضها بعضاً. غير أن هذه القفزة في الأجيال تضخّم من المدى الذي يظهر فيه الفنانون الشباب أقل همّاً، وأكثر مرونة وعاطفية. فعسى أن تكون الأعمال المتأنية والمدروسة الجادة للفنانين الذين جاءوا قبلهم قد وَفَتْ ما عليها من دين.

كايلين ويلسون جولدي
محررة وناقدة فنية
2008

press clips
summer academy
currently on
workshops

الفنانون المشاركون

> ريان تابت
> جلال توفيق
> لمياء جريج
> جوانا حاجي توماس وخليل جريج
> مروان رشماوي
> وليد رعد
وليد رعد / مجموعة أطلس
> أكرم زعتري
> وليد صادق
> زياد عنتر
> مازن كرباج
ربيع مروة
> رندا ميرزا
> باولا يعقوب



ا
نظر أيضاً:

> الفن الآن في لبنان، مقدمة بقلم أندريه صفير زملر
> الفن الآن في لبنان، مق
الة بقلم كايلين ويلسون-جولدي