|
حوار مع
فيصل السمرة
حول معرضه واقع مُحرَّف
في معرض حديثه عن أعمالك، يقول إبراهيم العلوي، مدير معهد العالم
العربي في باريس(سابقاً): "ليس الفن إلا أداة للتعبير والمعرفة،
يختلف كل الاختلاف عن التبصر بالواقع المشروط بأحاسيسنا. والشكل
الفني، تحديداً، ما هو إلا وسيلة تلك الرؤية الأخرى التي يتوصل
الفنان إلى إدراكها من خلال عمله. والإدراك المتبصر البديل هذا لا
يمكن ترجمته والتوصل إليه إلا من خلال الأعمال الفنية". يبدو أن
الطريقة الفريدة التي يفهم العالم الخارجي الفن من خلالها ويترجمه
ويصفه، مسألة محورية في معرضك "واقع محرّف". ما هي رؤيتك عن
الكيفية التي يُختبر فيها الواقع من خلال الفن؟ وكيف تختلف عن
الطرق التي تستوعب فيها أحاسيسنا الواقع؟ بأي الطرق جري التعليق
على هذه الاختلافات -إن كان هنالك تعليق- في "واقع محرّف"؟ وماذا
عن العلاقة بين الفن والواقع؟ كيف ترى هذه العلاقة؟ هل تمت
معالجتها بأي حال في عملك؟
-أؤمن إيماناً راسخاً بأن على الفن أن يتولى الكشف عن الحقيقة
العارية، وأن يزيل القناع عن الواقع المتخفي. ما نراه اليوم في
العالم المحيط بنا ليس حقيقياً. الفن يتوغل إلى داخل الغطاء
الخارجي المزوّر للأشياء التي نختبرها بشكل سطحي في حياتنا.
وبالحفر، مروراً بالطبقات المتراكمة للادعاء، يحاول الفن الكشف عن
الحقيقة التي تقبع متخفية في الداخل. إن واحدة من أكبر وظائف الفن،
كما أرى، أنه يؤدي دور الوثيقة الأولية لزمنه الاجتماعي. فمن
المؤكد أن الفن شكل من أشكال توثيق ردود أفعال الفنان تجاه العالم
الذي يعيش فيه. لذلك فإن من أهم مهام الفن توثيق المشاعر والمدركات
والأفكار التي يحملها الفنانون تجاه ما يحيط بهم. وبهذا المعنى،
فالفن، بشروط وظيفته، لا زمن له. ولكن الفن، من جانب آخر، وبمقدار
تعلق الأمر بمحتواه، يرتبط فعلياً بزمن محدد. فكل عمل فني يتعامل
مع واقع مرحلة معينة من الزمن. إنني في حقيقة الأمر أود أن أذهب
إلى أبعد حد لأقول إنه ليس ثمة شيء محض مجرد، أو تجريد خالص. كل
الفن مرتبط بالواقع إلى درجة ما، أو بطريقة ما. والفن التجريدي
ينقل مدركاتنا الحسية عن العالم المادي، ولكنه ينقلها بأسلوب معقد
أكثر مما كان عليه الفن التشخيصي في المراحل السابقة. إنني أنظر
بالتأكيد إلى الفن التجريدي بوصفه صورة أو حالة تجلٍ لطريقتنا
الأكثر تطوراً في التفكير والتبصر. وبذلك، فإنني أؤيد بشدة أن على
الفن أن يبقى صريحاً وجريئاً تجاه قضايا عصره، وأن عليه أن ينفذ
إلى قلب الحقيقة.
تحدثت عن كيفية تلاعب الفنانين بالواقع، غالباً، في أعمالهم بدلاً
من تمثل هذا الواقع من أجل تصوير الحقيقي، أو جوانب من الحقيقة على
أقل تقدير. إنك تزعم، كما جاء في شهادتك الشخصية التي كتبتها عن
معرضك "واقع محرّف"، أن "مُنتجو
الصورة غير
الـمُبهرجة
...
يُحرفون الواقع لإنتاج
صورة تقاوِم من أجل
إظهار
الحقيقة وتعرية الواقع كما هو".
وفي صورك الفوتوغرافية وأفلام الفيديو التي قدمتها، أنشأت تكوينات
وأحداث غريبة وسوريالية من أجل أن تعلّق على الصورة في المجتمع
المعاصر. هل بإمكانك أن تفسر لماذا اخترت، في محاولتك الكشف عن ما
هو حقيقي وما هو زائف، أن تحرّف الواقع بدلاً من أن ترسمه بدقة؟
وما الذي تمنحه مثل هذه الطريقة البديلة للتعبير أو التواصل؟
-في البداية، أعتبر عملي ضرباً من التوثيق، ولكن بمعنى غير مباشر
لكلمة التوثيق. إن فني لا يسجّل الحالات تسجيلاً مباشراً، أو على
نحو أعم، لا يسجل الأوضاع اليومية. بل يوثقها توثيقاً غير مباشر،
كما تفعل معظم الفنون، وهو ما أشرت له سابقاً، عن طريق الإمساك
بأحاسيسي نحو العالم الذي أسكن فيه، و ردود فعلي تجاهه، وبصيرتي
وأفكاري النابعة منه. ما قدّمته في معرض "واقع محرّف" شبيه إلى حد
ما بما قدمه الدادائيون، خاصة في استخدامهم للعناصر الجاهزة. لقد
اخترت شيئاً له وجود -الصور المحرّفة في هذه الحالة- بمعزل عن
سياقه الوظيفي (الإعلانات، وسائل الإعلام، وغيرها)، ووضعته داخل
سياق مختلف كلياً (داخل إطار، داخل قاعة عرض). وبعملي هذا أضفت
بعداً آخر إلى الصور، وخلصت إلى إنتاج عمل فني.
في "واقع محرّف" اشتبكت بعمل من نوع (catch
22).
فأنشأت واقعاً مخترعاً من أجل أن أقدم صورة تبين أن الواقع الذي
نعتقد أنه حقيقي إنما هو في حقيقة الأمر واقع يخضع باستمرار
للتحريف والتركيب من قبل صنّاع صور واسعي الانتشار. ومن خلال
العروض التي نفّذتها، صوّرت ما يُصنع بنا، أو بتعبير أدق، ما
نمارسه على أنفسنا من غسل للدماغ؛ نحن أنفسنا نخضع للتغيير وليس
الواقع فقط. إنها ثقافة مسمومة، تلك التي تُباع لنا، وطريقة حياة
مؤذية تلك التي نشتري فيها بتوق، ثقافة يتشابه فيها الكل: يتشابه
الكل في طريقة المشي، والحديث، والملبس، بل حتى الطعام الذي
يتناولونه. وهكذا عن طريق هذا النظام من الحياة الذي يتعمد
الإلغاء، تخضع هويتنا (وجهنا الفريد)، للسرقة خلسة. في "واقع
محرّف" حاكيت، أو قلّدت، تجربة أن أكون منغمراً في واقع مزيّف، أو
جزءاً منه، خاضعاً لسحر ثقافة مصطنعة ومدبّرة.
أنا، في حقيقة الأمر، لم أعبر عن فكرة معينة بمعرض "واقع محرّف"،
وإنما عرّيت السؤال الذي أقلقني. وفوق أي شيء آخر، فإن هذا المشروع
الفني السائر قدماً ليس إبداعاً لفكرة أو عقيدة، بل إنه تجسيد
لمنظومة استفزازية -هجومية- للدفاع عن النفس موجهة ضد وكالات
خدّاعة. باختصار، فإن "واقع محرّف" معرض له وظيفتان. الأولى تحققت
من خلال الشكل الفني، ذلك أنها شخّصت طريقتي الخاصة أو ردة فعلي
تجاه الحملة المبرمجة الطاغية التي نخضع لها. والثانية تحققت من
خلال فكرة المشروع عامة، فمعرض "واقع محرّف" يدعو كل إنسان آخر إلى
تقديم منظومته الشخصية الخاصة المصممة للدفاع عن النفس.
برأيك، ما الذي يقوله عنك هذا التوجه الفردي، أو منظومتك الخاصة
للدفاع عن النفس؟
-أعتقد أن الرد على سؤال كهذا يشبه إلى حد ما قيامي بتحليل نفسي
لذاتي. أعتقد أن جمالية العمل الذي أبدعته والموقف الذي اتخذته
اتجاه موضوعه مليئان بروح الهزل. في "واقع محرّف" سخرية من حالة
التنويم المغناطيسي التي نخضع لها، وكيف حوّلنا منتجو الصور إلى
منوّمين بالإيحاء. وفي الوقت نفسه، أعتقد أن التعليق الذي أقدمه من
خلال المشروع تعليق حاد ونقدي وساخر. وبهذا الشكل، فإن مشروع "واقع
محرّف" يملك نوعاً من الشخصية المزدوجة، فهو ناضج ورصين في رسالته،
مع أنه طفلي ومرح في منهجه، له القدرة على تصوير جوانب معينة من
شخصيتي وموقفي عموماً.
لقد أردت دائماً لعملي أن يكون خفيف الظل بصرياً بقدر ما يكون كذلك
في أسلوبي بتناول الفكرة. حين أنتج فناً، فإن من الأساسي لدي أن
أستمتع بالصور التي أبدعتها، وأن أتذوق العوامل البصرية التي
أدخلتها في عملي. أعمل على تجميل القطع من الناحية الشكلية، وفي
الوقت نفسه فأعمالي استفزازية أيضاً. إنه لمدخل أساسي عندي أن يكون
ثمة عنصر جمالي يجذب إليه المشاهد أولاً. ينبغي أن أمسك بعين
المشاهد وبعد ذلك أستطيع أن أقوده نحو الطبقات الأخرى من المعنى.
أعتقد أن هذا من شأنه أن يقول شيئاً عني أيضاً، خاصة عن شخصيتي
كفنان.
يبدو أن اختيار المادة وقدرتها التشكيلية كان من الأمور التي تعنى
بها أعمالك الفنية السابقة. ففي الماضي، وفي "المعلّقات" تحديداً،
تجاوزت الطريقة التقليدية في الرسم على القماش وابتعدت عنها، لتمزج
الحدود المادية ما بين الأشكال النحتية والتصويرية. لقد تنقلت خلال
حياتك الفنية ما بين المواد والوسائل وجمعت بين أشكالها أيضاً.
ماذا عن معالجتك لفنون الأداء والتصوير والفيديو؟ كيف أثّرت خصائص
المواد، أو طبيعة هذه الوسائل، في عملك الذي أنتجته بواسطتها؟
-أرى أن وسيلة التعبير شيء نابع من ضرورة داخلية للعمل الفني.
وأقصد بذلك أن وسيلة التعبير تفرض نفسها على المنتج النهائي. عندما
أتأمل في قطعة ما، فإنني أختار الوسيلة التي أشعر أنها ستساعدني
على إيصال فكرتي التي أتطلع إلى معالجتها بصورة أشد فصاحة. أحياناً
أقدم على العمل بفكرة ما، ومن ثم أستقر على وسيلة عمل أو مادة، وفي
مرات أخرى أقرر العمل بالاثنين معاً في آن واحد، ولكنني لا أفكر
أبداً بالمادة أولاً لأبحث من بعد ذلك عن فكرة للعمل.
بدأ "واقع محرف" بمشروع "ارتجال". راودتني الفكرة عندما أدركت إلى
أي حد أخذت الصور المزيّفة والأكاذيب تغزو حياتنا. كنت أتطلع من
خارج نافذة سيارتي في يوم ما، فصعقت على حين غفلة حين وجدت أنه ليس
هناك متر واحد من فضاء النظر يخلو من الصور والإعلانات والمعلومات.
حتى الراديو الذي كنت أصغي إليه كان غالباً ما يقطع برامجه ليبث
الإعلانات التجارية والإخبارية. حينذاك صحوت فجأة، وفهمت أنني، من
بين غيري من الناس، أخضع لعملية تخدير على المستوى الشفهي والبصري
من خلال جرعة فائضة من الأوهام، أوهام واقع متغيّر. فشعرت للتو
أنني بحاجة إلى الهرب. حين توقفت وتأملت ما يدور حولي، وحين ركزت
النظر على ما كنت أقلب البصر فيه، بدأت أرى الأمور بوضوح أكبر.
سألت نفسي: "ما الذي أحتاج إلى عمله؟" فكان أول ما تبادر إلى ذهني:
"إنني بحاجة إلى القيام بارتجالات"، ومن ثم فكرت: "ما هي الأدوات
التي تستخدم لتحريف الواقع؟" وتوصلت إلى الرد في نهاية المطاف:
"الصور، والأهم من ذلك الأداء". وهكذا قررت أن أقوم بأداء مبني على
الارتجال. في الفصل التالي، في العروض التي أديتها، استخدمت القماش
نفسه الذي أستخدمه في الرسم، ولكنني في هذه المرة غلّفت نفسي به.
كان عملاً ارتجالياً تاماً – بادرة عفوية. لقد طورت هذا الأداء
لمدة من الزمن حتى توقفت في نهاية الأمر عند هذا الحد. فكرت مرة
أخرى بالخطوة التالية: "إلى أين سأذهب من هناك؟". فقررت أن أنطلق
من العروض التي أديتها، وبدأت ألتقط صوراً فوتوغرافية لعروض مختلفة
قمت بها. بعد ذلك، شرعت في عام 2006 بالعمل على فيلم فيديو آخر
لاستكمال الفكرة مضيفاً المزيد على الصور الفوتوغرافية التي كنت
كدّستها من قبل.
لماذا سمّيت هذا العمل "ارتجال" في حين أن بناءه الكلي خاضع
للتصميم، وأنك عرضت نسخاً مماثلة منه عدة مرات؟
-كل عمل فني يبدأ بارتجال. عندما تبدأ العملية الفكرية المحيطة
بالعمل بالتحرك، يبدأ الارتجال، حتى قبل الشروع بأي جهد جسدي.
ويتواصل فعل الارتجال لحين انتهاء العمل الفني، بغض النظر عن الشكل
النهائي الذي يظهر به. في هذه القطعة، ارتجلت أمام الكاميرا. وكنت
أفكر، في الوقت الذي كنت أؤدي فيه أية حركة، أفكر بما ستكون عليه
الحركة التالية. وعلى أي حال، فاللحظة التي كانت تنجز فيها كل حركة
من هذه الحركات (أي كانت تتحول من شيء ذهني إلى شيء حركي)، هي
اللحظة نفسها التي كانت تنتهي فيها الحركة، فلذلك لكل فعل بداية
(ولادة)، ونهاية (موت). وهكذا، فإن كل حركة كنت أؤديها كانت تموت
-تنتهي- على الفور. هذه هي الطبيعة الغريبة للإبداع. فالإبداع في
جوهره دورة متكاملة من البناء والتهديم. لذلك، فبالإمكان النظر
إلى أي فعل تهديمي على أنه بناء، والعكس بالعكس. من جانب آخر،
كلما أعيد النظر إلى هذا العمل أو تم تكرار مشاهدته، تعاد الحياة
إلى الحركات المؤلفة في داخلة، بل تعاد الحياة إلى العمل نفسه.
يُفهم من كلامك إذن، أن الحركة في العمل تعاد إليها الحياة لدى
النظر إليه أو مشاهدته؟
-إنني أؤمن بأن المشاهد جزء مكمل لأي عمل فني. إنني في حقيقة
الأمر، أرى أن العمل الفني برمته بالإضافة إلى المشاهد والفنان،
يعملون معاً ولهم أدوار متداخلة في الإبداع الفني. إن إنجاز أي عمل
فني يكاد يقوم على شكل ثلاثي الأضلاع، إذ إن على كل جهد فني أن
يسلك طريقه من بين هذه الأطراف الثلاثة ويتحاور معها؛ فأية مبادرة
إبداعية يقام بها لا يمكن أن تكون، على هذا الأساس، كاملة أو
منتهية حقاً. لذلك، حين ينجز أي عمل فني فإنه يحمل بالتأكيد في
داخلة شيئاً من المبدع (الفنان)، ومما لا شك فيه أيضاً أنه يمتلك
وجوده المستقل عنه.
غالباً ما أتطلع إلى عمل سابق لي فتنشأ لدي أفكار عنه أو عن معناه
تختلف عمّا كنت أقصده حين أنجزته. بل إنني لا أدرك نفسي أحياناً من
موقع الفنان الذي أنجز هذا العمل، كما لو أنني أتطلع إلى صورة
فوتوغرافية قديمة لي فلا أرى نفسي فيها. هذه التجربة، تجربة عدم
التعرف إلى الذات، تكوّن بذرة فكرة محورية للفيديو "النظر في
الحفرة" الذي يتقصى استحالة العثور اليوم على الذات الحقيقية لدى
التطلع في المرآة. في هذا العمل ثمة لعب رمزي من الاستخفاء والبحث
تؤديه الذات الحقيقية أو الداخلية.
قلت قبل قليل إنك أطلقت اسم "ارتجال" على عملك، نظراً للكيفية التي
بدأ العمل بها وتطور، ولكنك زعمت أيضاً أن كل الأعمال الفنية تبدأ
بالارتجال وتتطور من خلاله. فلماذا أطلقت التسمية على هذا العمل
بالتحديد؟ ولماذا لم تطلقها على أي عمل آخر؟
أعتقد، كما ذكرت سابقاً، أن المبادرة لإبداع أي عمل فني تبدأ
بالارتجال. ولكنني اخترت أن أطلق اسم "ارتجال" على هذا العمل
بالذات لأنني أردت أن أسلط الضوء عن طريقه، على أحد جوانب العمل
الفني وعلى طريقة إبداع الصور.
يتكون عملك الفيديو "ارتجال" من سلسلة متعددة: "ارتجال 1"، "ارتجال
2"، "ارتجال 3". في كل واحد منها تبدو كما لو أنك تتشرنق داخل قماش
الرسم. كل جزء من أجزاء السلسلة يبدأ بك وأنت تسير قدماً مغطى
بقماش وتتحرك بانفعال لينتهي بك خارجاً منه، ولكنك ما تزال مغطى
وما تزال تتحرك بانفعال. لماذا اخترت أن لا تُدخل أي ذروة أو حدث
كبير داخل كل جزء من الأجزاء؟ إضافة إلى ذلك، فإن كل الأجزاء
متشابهة إلى حد بعيد باستثناء الفارق الصارخ في المنظومة اللونية.
لماذا التنوع في اللون؟
-في "ارتجال" تحركت داخل قماش الكانفاس من أجل أن أوجد أشكالاً
فانتازية وتشخيصات متخيلة. وخلال مدة العرض كلها كنت أفكر باستمرار
بما كان يمكن أن يتكون من أشكال وشخوص نتيجة أي حركة. كنت في كل
حركة أؤديها، أضيف إلى أو أغيّر ما قد أنشأته من خلال فعل سابق.
كنت أركّب شيئاً جديداً مستمداً من شيء موجود فعلاً. لقد كنت أؤلّف
حركاتي وأستمر بأدائها، في كل جزء من أجزاء "الارتجال"، وبشكل
أعمى، لأنه لم يكن من الممكن أن أشاهد التكوينات التي كنت أعملها
خلال تشكّلها.كان من المهم لدي، قدر الإمكان، أن أجرّب تقديم أنواع
من الأشكال المشخّصة لأغراض جمالية. ومن أجل هذه الأسباب أيضاً
ركّزت، في كل جزء وضمنه أحياناً، على استخدام مكوّنات بصرية مختلفة
ومتنوعة (إضاءة، منظومة ألوان، مناظير، ومشاعر ضمنية). في الأساس،
جرى استقصاء الفكرة نفسها في "ارتجال" بطريقة مشابهة ولكن بملامح
متغيّرة.
أما عن استفسارك حول افتقار العمل إلى ذروة أو حدث كبير في كل
الأجزاء، فإن كل جزء (كل ارتجال) هو عبارة عن أداء واحد. في كل
أداء أضغط على زر التسجيل وأرتجل أمام الكاميرا. ثم أمضي، وأوقف
التسجيل بمجرد أن أنتهي. ويخضع الشريط الناتج عن التسجيل بطبيعة
الحال إلى التحرير والقطع. والسبب الذي جعلني أختار قيادة العرض
وتنظيمه بهذه الطريقة له علاقة بطبيعة الأداء/ الحركة، وهو ما
تحدثت عنه بالتفصيل، كشيء ينتهي في اللحظة التي يبدأ فيها.
إنك الموضوع والمُنْتِج معاً لكل أعمال معرض "واقع محرّف". لماذا
اخترت أن تضع نفسك في الموقعين؟
-الدافع وراء هذا الاختيار له وجهان: أولاً، أردت أن أقيم حالة
توتر مباشر ما بين الكاميرا (الوسيط) ونفسي (الموضوع)؛ ثانياً، لا
أعتقد أنه كان بإمكاني أن أصل إلى هذا الحد القريب من تحقيق
التأثيرات التي تمنيتها لو كنت استعنت بممثل آخر، خاصة بسبب ما في
العروض المنفذة من طبيعة ارتجالية عالية.
يبدو أن مصادر الصور التي استخدمتها في أعمالك الفنية إجمالاً، لا
نهاية لها؛ فهي محلية حيناً وعالمية حيناً آخر، وهي معاصرة مرة
وتاريخية مرة أخرى. ماذا عن الصور التي استخدمتها في "واقع محرّف"؟
ما هي أنماط الصور التي استخدمتها في هذا العمل؟ ولماذا اخترت هذه
الصور بالتحديد؟ من أين استُمدت، وما الذي أوحى لك بها؟
-إن الألبسة والأشياء الظاهرة في الصور الفوتوغرافية وأفلام
الفيديو التي تكوّن منها معرض "واقع محرّف" أدوات استخدمتها في
الأدوار التي أديتها. فلدي، مثل أي ممثل على خشبة المسرح، أقنعة
كثيرة وألبسة وغيرها من المواد التي أستعين بها. واختياري لاستخدام
أي منها قائم على ما يمكن أن تؤشر عليه كل مادة من هذه المواد.
مثال على ذلك، إنني قمت في واحد من المشاهد بمحاكاة الشكل النمطي
للمحاربين مثل دونكيشوت. فاستخدمت في هذا الفصل ضوء الفلوريسنت كما
لو كان سيفاً أو ذراعاً. ومما له أهمية خاصة، أن معالجتي للمواد
التي استخدمتها في عروض الأداء منحت الصور الفوتوغرافية الثابتة
إحساساً حيوياً بالحركة.
كيف يختلف عرض "واقع محرّف" في دارة الفنون عن عرضه في قاعة
XVA
في دبي في آذار 2007؟
-في دبي جرى العرض الأول لهذا المشروع. أعتقد أنه بوسعك أن تقولي
إنه كان معرض "واقع محرّف رقم 1". لقد قمت، منذ ذلك الحين، بإضافة
أعمال أخرى إلى المشروع من ضمنها عملان إنشائيان بالفيديو
video installations
("تراب إلى تراب"، و"النظر في الحفرة")، إضافة إلى الأعمال
الثلاثية الكبيرة للصور الفوتوغرافية.
كيف تطور مشروع "واقع محرّف" بعد "واقع محرّف رقم 1"؟ ماذا يخبئ
المستقبل؟
-بوسعي القول إن الأعمال التي نفّذتها منذ "واقع محرّف رقم 1"
امتداد لما أنجزته في المشروع. وأنا أعمل حالياً على إكمال مشروع
"واقع محرّف" لأضيف إليه أعمالاً أخرى. ولكن، متى سينتهي هذا
المشروع، أنا أيضاً لا أعرف.
|