English Version <

 

Oraib Toukan



فيصل السمرة

الواقع المُحرَّف

 

الزائل والباقي،  الغائب والحاضر، المستور والظاهر، ثنائيات طالما انطوت عليها أعمال فيصل السمرة على امتداد السنوات الأخيرة من تجربته الفنية الغنية. البحث عن الغياب في الحضور والبحث عن الحضور في الغياب، يكاد في صميمه يكون المحور الأثير الذي تدور أعماله في فلكها بمعالجات متنوعة تفرضها طبيعة المادة الخام التي يستخدمها في تنفيذ العمل.

 

في معرضه الشخصي الذي أقيم مؤخرا في عمّان (دارة الفنون 4 أيلول 2007م، عمّان)، بعنوان "واقع محرّف"، يتصدى السمرة لمسألة الصورة  في واقعنا اليومي،  وسطوتها على الفرد في فرض ما تريد إيصاله من الحقيقة؛ الحقيقة التي يتلاعب بها الأعلام إلى حد التزييف أحيانا. نحن لا نرى من "الصورة المبهرجة"، كما يسميها فيصل سمرا، إلا ما يريد لنا منتجوها أن نرى. ذلك هو جوهر الفكرة التي بنا عليها الفنان معرضه.

 

 باستخدامه ثلاث تقنيات رقمية هي التصوير الفوتوغرافي والكومبيوتر والفيديو، يلج الفنان عالم الصورة بلغة مختزلة مركّزة. فيعالج الفكرة من خلال صورة إنسان كلما أراد أن يكشف عن نفسه يتوارى تحت ثقل الأستار التي تنهال على رأسه. لقد آثر الفنان إتباع هذه التقنيات الحديثة لا لكونها وسيلة تعبير جديدة تغري الفنان بالتجريب، وإنما لقدرتها على تحقيق التفاعل ما بين الفنان وجهاز التصوير من خلال تحكّمه بالآلة، وإعادة تنظيم العلاقة ما بين الموضوعي والذاتي على الشاشة لحظة بلحظة ليصبح العمل فيما بعد تكوينا إبداعيا لصورة تُشاهد على سطح ذي بعدين.

 

الفنان هنا لا يلتقط المشهد أو الحالة وإنما يرسمها بجهاز التصوير. وفيصل السمرة، الرسام بتجاربه المتنوعة التي تمرّد فيها على اللوحة التقليدية، يتقن لعبته بمهارة، ويظهر سيطرته لإبداع شكل فني معبّر. فهو ينتقل بالصورة من شكلها الواقعي إلى شكلها المجرد، بإضفاء جو ضبابي يزيد من غموض الصورة ويعبّر في الوقت نفسه عن مسألة التحريف الذي تتعرض له الحقيقة المراد إيصالها إلى المشاهد. ولعل لعبة الخفاء والظهور هذه لدى فيصل سمرا تنطوي على مغزيين مترابطين، أولهما طمس الحقيقة أو تشويه معالمها، وثانيهما تورّط الإنسان بهذه الأستار التي ما إن يتحرر منها حتى تلفّه من جديد فتحجب الرؤية. وإذا كانت شخصية الرجل الذي يظهر في الصور على اختلاف تقنياتها غير واضحة، فإن الشخصية تكشف عن نفسها في بعض اللقطات فنرى وجه الفنان نفسه، مما يجعل العمل ضربا من التصوير الشخصي بتقنية مغايرة.

 

سمرا في مجموعة الأعمال هذه معني إذن بمشكلة محض وجودية قائمة على العلاقة الجدلية ما بين الحقيقة وصورتها المحرّفة التي تُفرض على المشاهد. ثمة إصرار لدى الفنان على الإمساك بجوهر هذه الحقيقة وانتزاعها من براثن قوة  طاغية تمعن في طمسها. إنه صراع يتمثل في الحركة الدائرية المتواصلة لإنسان كلما حاول الخروج من باطن الأرض يُهال التراب عليه ليطمره ثانية، وكلما يحاول الإفلات من الحجب يجدها تحاصره وتخفي معالم وجهه أو تحول دون رؤية الحقيقة.

 

تكاد تكون معظم صور المعرض باللونين الأسود والأبيض، ربما إمعانا في إظهار حدة هذه الدراما الإنسانية المعاصرة ، مع ذلك ثمة ألوان نجدها منبثّة هنا وهناك. فقد نرى رأس إنسان مغلفا بقماش مخطط تغليفا تاما ليتحول إلى شكل آخر شبيه بأصيص زهور ينهض منه ورد أحمر، أو نبات الصبار، وقد تظهر باقة ورود حمر على الصدر. غير أن هذه العناصر الجمالية لا تبعث أي راحة في النفس، إذ فيها من العدوانية الهجومية ما يبعث الاضطراب في النفس.

 

لطالما سعت تجربة فيصل السمرة، على امتداد زمنها، إلى التخلص من ظواهر الأشياء وتراكماتها للاقتراب من الحقيقة الخالصة. كما أن مسار تجربته شاهد على تمرده على الأنماط الفنية السائدة بشرط أن يكون التمرد وكسر القوالب ضمن قواعد مفهومه الفني وفي سياق تجربته الشخصية القائمة على التلقائية والحيوية والسرية. فرأيناه يقدّم الإيقونات المصنوعة من الطين، والمعلّقات التي يستخدم فيها قماش الجادر واستحضار ذاكرة الماضي القريب والبعيد قبل أن ينتقل إلى فن الفيديو والإنشاء التركيبي. فهذا الخروج الثائر على الطرق التقليدية، والرفض القاطع للوحة المعلّقة والنحت البارز والمدور، يزج المشاهد بحيرة البحث عن الخيط الذي يفصل بين الفن واللافن. كما يضعه أمام حيرة أكبر وهي مدى القدرة على الاستمتاع بالعمل الفني الجديد. لقد تمادت حدود الفن لتلغي الفوارق بين الاثنين – الفن واللافن-، فانبثقت مفاهيم جديدة لطرق التذوق الفني. وعلى فرض أن المشاهد تعوّد على رؤية هذه الأعمال وألفها، فإن حيرته تبقى قائمة في التمييز، إذ بقدر ما تبدو التقنية جاهزة وسهلة، فهي على درجة بالغة من الصعوبة في تحقيق تميّزها وقوة تأثيرها، ومن ثم الحكم عليها. ولأن فيصل السمرة رسام مبدع أولا، فإنه استطاع ترويض الآلة وإخضاعها لشروطه موازيا ببراعة ما بين الإمتاع البصري والتحريض الذهني.

 

مي مظفّر

عمّان، أيلول 2007

 

 

انظر أيضاً:

> واقع محرّف، فوتوغراف وفيديو آرت للفنان فيصل السمرة
-   نص شخصي
-   نص حوار مع الفنان


>  روحانية وحداثة في مسجدين أمويين، صور فوتوغرافية للفنان سعيد نسيبة

press clips
summer academy
currently on
workshops