English Version <

ودن من طين وودن من عجين"، تجهيز فيديو، 2001"

معتز نصر، أو دليل الأشياء التي لم تُشاهَد
سيمون نجامي

معتز نصر مصري. وفي السنغال سنة 2002، في بينالي دكار، اكتشف أنه أفريقي أيضاً. وطبعاً، كان يعي ذلك من قبل، ولكن خبرته المادية من وجوده في الجانب الأكثر سُمرة من الصحراء، جعلته أكثر تفهماً ولأول مرة للخصائص التي لا تُمحى والموجودة بين بلدان مختلفة في القارة الأفريقية. وبغض النظر عن تاريخها – وربما بسببه – وبغض النظر عن تأثيراتها المختلفة وأولوياتها التي شكَّلتها مناخات سياسية جغرافية وثقافية. إن أية محاولة لفك شيفرة جوهر عمل نصر لا بد أن تجعل هذا الإدراك نقطة انطلاقها. ونقطة الانطلاق أفريقيا التي تعاني من فقدان حق تقرير المصير ومن الحاجة للحلم؛ أفريقيا التي سَلبت قيود الضرورتين الاقتصادية والسياسية أحلامها؛ أفريقيا المصفَّدة بتناقضات غير قابلة للحل وتمنعها من كتابة تاريخها.

من هنا، ليست مصرُ نصرٍ إلا مجازاً لشبكة المسائل تصل إلى أبعد من تخوم بلده المحليّة المحددة. والعمل المقدم هنا نتاج خمسين عاماً من الإجابة عن الأسئلة التي طرحها الاستقلال في جميع أنحاء القارة، وربما، أبعد من ذلك، صدى لأسئلة طرحها فلاسفة وجوديون من مثل إدموند هسرل وجان بول سارتر: ما هي الحرية؟ ما هي المبادرة؟ كيف يجب أن ننظر إلى أنفسنا في إطار محدد وواسع في الوقت نفسه؟ وأخيراً، من نحن بالضبط حين نقول "أنا" ؟ ويوجد في هذه الـ "أنا" ، بكل بساطة، صدى تاريخ نحن فيه الورثة والمدمرون في الآن نفسه. فهل تمثل هذه الـ "أنا" هوية محددة فريدة، حرة، أصالةً وجوهراً، في تحقيق ذاتها؟ أم إننا مكتوب علينا لعب دورنا في قصة جماعية نهايتها حُتِّمَت قديماً في سديم الزمن؟ قصة لا نستطيع فيها أبداً أن نصبح المؤلف، لأن أفعالنا وإيماءاتنا وأكثر أفكارنا خصوصية قد شُكِّلت لنا؟ وماذا، في النهاية، تُمثِّل هذه الـ "أنا" إن لم يكن حلماً مجهضاً؟ حلما مفيدا، من مثل وهم الوحدة الأفريقية الذي لم يتحقق أبداً، أو وهم حركات الاستقلال التي حدث وأن أصبحت لا شيء أكثر من فشل وخيبات أمل؟ إن الجواب معقد، ويَفترِض مسبقاً تحليلاً مُعمَّقاً للظاهرة ما بعد الكولونيالية التي ساعدت على تشكيل جوهر أفريقيا المعاصرة. ورغم ذلك، يزوّدنا الإبداع الفني، وهو يقدم لنا أنعكاساً مُكَبَّراً للمجتمعات التي صاغته، بضعة مخططات تمهيدية لجواب. وهو يفعل ذلك من خلال أعمال أناس تعهدوا لأنفسهم بلعب دور في صناعة التاريخ.

أما وقد ولدوا في فترات جيشان تاريخية، فإن هؤلاء الفنانونين يحملون بذرة الأفكار التي قد تُمكننا من فك شيفرة ظاهرة تؤثر على الكوكب كله. فهُم، نسبياً، في نفس عمر دول الاستقلال الأفريقية. ويلقي هذا الأمر على عاتقهم مسؤوليات يصعب تجاهلها، ويفتح حتمياً الممر الذي يقود إلى تحليل ذاتي، يثير، بدوره، تساؤلات حول فرضيات غير منطقية. فأبناء هذا الجيل، عكس معاصري العالم القديم، لديهم كل حق في افتراض معرفة ببلدان يعتبرونها مماثلة لهم.

ونصرُ مصريٌ، كما كنا نقول، لكننا حين نصنّفه، لا نعني بأي شكل تقليص مدى تفكيره أو أهدافه. على العكس من ذلك، رأيُنا في العالم مشروط بما هو نحن وبالخبرة الفريدة التي صنعتنا كما نحن. وإذا أمكن تحويل هذه الخبرة إلى شيء تتشاطره الإنسانية كلها – وفق كلمات عمانويل كانْت، "الجميل هو ما يتمثل، دون مفهوم، كموضوع لمتعة عامة" – فإنها، رغم ذلك، تظل محتفظة بإطارها الاجتماعي التاريخي المحدد. وعلى سبيل المثال، يمكننا أن نرى الآن سقف كنيسة سستاين في روما، الذي رُسم لتمجيد دين في لحظة تاريخية محددة، كرائعة فنية فحسب؛ إذ يمكن للمرء التمتع بجماله دون معرفة الإلهام الذي أبدعه. إذ تشمل طبيعة ذاك الإلهام ما أدعوه خبرتنا الفريدة، أو، في هذه الحال الخاصة، خبرة مايكل أنجلو الفريدة. ونجد صدى لهذا في ملاحظات الفنان الغاني إل أناتسوي عن العولمة، أو عن العالمية ونتائجها السيئة. يقول أناتسوي، "أما فيما يتعلق بالهُجنة، فإن تهجين الثقافات عندي، منذ الآن، فرضية أكثر منه واقعاً.  فأنا لا أقبل فكرة وجود ثقافة عالمية. فكل ثقافة لها جوهرها الذي، مثله مثل روح الإنسان، لا نستطيع تغييره أو تلويثه بسهولة ... وما لم تكن لثقافة ما قوتها، فإنها لا تستطيع المساهمة بفاعلية بأي تميّز عالمي أو متعدد العوالم، ولذا، ربما، من الخطر على الفنان أن يلقي بعيداً، بسهولة، تركته الثقافية وأن يتمثل ثقافة مصطنعة غريبة عنه." ولذا، فإن مسألة الهوية – التي تعني أكثر من مجرد الحدود القومية – مركزية وأساس لأية حركة تسير باتجاه الحرية، لأننا بمعرفة من نحن ومن أين أتينا يمكننا أن نتفاعل مع الآخر. وهذه هي الحرية التي يزعمها نصر. حرية تعددية وفردية. وهو لن يترك بلده أبداً، لأنه يشعر بأن له حقوقاً وعليه مسؤوليات هناك. ولن يكون من هو لولا الشرعية التي مُنحت له من هذا البلد. فالجدالات المجردة حول دور الفنان – التي تكررت باستمرار في العقود الأخيرة لتأخذ بالحسبان أذواقاً متغيرة وانشغالات متنوعة – لا تعنيه. فهو ليس داعية لفن شعبي، لفن اجتماعي تطور في الشارع، من أجل الشعب ومن قبل الشعب.

ونصر فنان حقيقي بمعنى أن السؤال الأساس الذي يطرحه عمله لا علاقة له بفائدته، بل يشكل جزءاً من جوهر خبرته الشخصية: الهواء الذي يتنفسه، طفولته، أو – إن استخدمنا كلمة طالما أُختلف حولها – "جذوره". وهذه الإنسانية هي التي تملي عليه خيارته، إن الحد القائم بين فضاء المرسم الخاص الذي يعمل فيه وبين الفضاء العام الذي يُقدم العمل فيه إلى العالم واضح ومُحدَّد بعامة. فساحة المدينة العامة، أو فضاء المتحف الجماعي، أو مكان الاجتماع العام، تمثِّل ساحة متفردة في حياة العمل ومتميزة تماماً من فعل الإبداع. وفي حالة نصر، لا يعني هذا الأمر عودة إلى أسطورة الفنان في برجه العاجي، أو عودة إلى عزلته الرائعة عن العالم. الحقيقة هي العكس. فالمرسم هو المكان الذي يدعو الفنان إليه شارعَه، وبلدَه، وقارتَه، والعالم. واللقاء الذي يقع هناك يشمله، لكن كبطل في ذاك العالم، في شكل ضروري من الشيزوفرينيا. كمراقب ومعلِّق في العالم الخارجي، كعنصر مجهول بين جمهرة الناس الكبيرة، وحالما يعود إلى عزلته، ينحلُّ في وسط من اعتبرهم إلى الآن جسماً غريباً. وفي صمت مرسمه، يفكك المشاعر والحدس، الانعكاسات والملاحظات التي أعادها معه من العالم خارجه. وفي هذا الفضاء المُمَيَّز أيضاً، تتم العملية التناضحية – تحويل الذات إلى مُرَاقَب. وفي هذا الإطار، لا يجب أن تعني كلمة "مرسم" المكان المنعزل الذي احتله الفنانون في أوروبا القرن التاسع عشر. بدلاً عن ذلك، تعبر الكلمة، بكل بساطة، عن فكرة المكان الخاص المحجوز للفنان. إنها كلمة تعبر عن تلك اللحظة التي لا توصف حين تبرز كل عناصر السجادة المعقدة فجأة وترتِّب نفسها حول إطار محدد. فلا بد من النظر إلى المرسم، أو مكان العمل، كمجاز للحظة محددة، كزمن استبصار فريد. وعند نصر، ليس الالتزام الفني مجرد جملة فارغة. فله دور ليلعبه، مثله مثل أي مواطن، في تطور بلده. غير إن هذا الالتزام لا يجب خلطه بالعزم على إنتاج "فن مفيد" يدافع عنه مثقفون من مثل شيخ أنتا ديوب: شكلٌ بَنَّاء من التربية يُقَدَّم للجماهير، يمكن تلخيصه بأنه قراءات مجزأة متناسبة للمشروع الفني. فلا يمكن للحرية المُتَضَمَّنَة في كل أشكال الإبداع أن تُجعَل خاضعة للأهداف السياسية لفلسفة تستلهم الماركسية، التي هي نفسها تطيع المخططات الثورية، التي تبناها أولئك الذين قاتلوا من أجل استقلال البلدان الأفريقية، والتي تصوّرت إخضاع الفرد للجماعة. وهذا شكل من الالتزام مهتم أكثر بتحليل الذات؛ وذلك يعني، من خلال الشعور الذي استحضره صوتٌ أو إيماءة؛ وببذر البذور داخل مشاهد انعكاس هو الطريق الوحيد لكسب الوعي. ويتواصل التزام نصر مع المهمة الموجودة في كل فعل فني، كما عرَّفه "أندريه جيد" عندما زعم أن الفن لا شيء إلا التزام فني اجتماعي.

وتعرض أعمال نصر المبكرة، التي يستخدم عديدها الفيديو، أيضاً هذه الرغبة المتواصلة في التأمل بمشاعر المشاهد وعواطفه. فصور الفيديو لا تستخدم أبداً معزولة، بل موجودة دائماً داخل إطار معماري. ففي "ودن من طين وودن من عجين" (2001)، يصبح المشاهد محاصراً بجدار خطر من الآذان يبدو أنها تَسمع وتَرى في الآن نفسه، وهذا سيناريو مخيف يُقحمنا في كابوس يقظة. والعمل ككل صورة السلطة الدكتاتورية لدولة كليَّة الوجود يمكن بسهولة عنونتها "للجدران آذان". وفي "كراسٍ متحركة" (2001)، نجد أنفسنا في شكل من أشكال مدرَّج سينمائي، يحملق فيه المشاهدون – الذين يظهرون على شكل كراسٍ متحركة –  بالشاشة، مذكريننا مجازياً بمجتمع مريض يشاهد حياته تتكشف أمام عيونه. ولكن بدلاً من نسج رسالته كمبشِّر تلفزيوني، يسمح نصر لنا بحريتنا. فأشكاله موجودة لتفصح عن تلك الأشياء التي لا يمكن التعبير عنها. يتركنا أحراراً بأن نرى ما نريد رؤيته في الكراسي المتحركة. وبهذه الطريقة، يثبت مجازٌ أن أصوله الموجودة في تعليق على المجتمع المصري أنه صالح بالمثل في باريس ودكار ونيويورك. والإصبع موجه إلى هذه الحالة من اللامبالاة المكتوبة علينا جميعنا في وقت ما والتي يجد كل منا نفسه حرا بتعبئة الفضاءات الفارغة تجاهها وفق ضميرنا الفردي.

 


الماء"، تجهيز فيديو، 2002"





طبلة"، تجهيز فيديو، 2003"
__

 ونجد هذه اللامبالاة مرة أخرى في عمل آخر مثل "الماء" (2002). فبينما قد نعمل في "كراسٍ متحركة" كأبطال ومشاهدين، يكون مكتوباً علينا في "الماء" أن نشاهدَ، محرومين من أية قوة على الفعل. ومثلها مثل مياه البحر الأحمر التي تباعدت، يبدو أن الماء الذي يمتد أمام عيني المشاهد يطرح عائقاً يصعب تجاوزه. ونحن مجبرون على الوقوف والمشاهدة لا حول لنا أن نفعل، إذ يظهر رجل يغرق على شاشة في أقصى اللوحة.

ويبدو أن العجز والإحباط يشكلان أسس مشروع معتز نصر الأخير، "الطبلة" (2003). والطبلة طبل صغير. واستُخدم الطبل تقليدياً، في الثقافة الأفريقية، لخلق، ليس أصوات فقط، بل ومعانٍ أيضاً، باستعمال تركيبة محددة مقررة للتواصل وإقامة حوار. وهنا، في تلاعب جديد على مفارقة السيد والعبد الهيغيلية، يخلق نصر تعارضاً بين "الطبل" والطبول، بين الفرد والجماهير. وهنا، مرة أخرى، لا يبتعد التعليق الاجتماعي كثيراً. فعائداً إلى سيناريو استخدمه في أعمال أخرى يقيم حواراً بين تركيب وفيديو، ويضع نحو ألف طبل في مقدمة الشاشة.  وفوراً يتم تذكيرنا بأوركسترا وقائدها، يتم تعزيزهما بظهور موسيقار على الشاشة يختفي وجهه عنّا. إذ لا نشاهد إلا يديه، تضربان جلداً مقوّى. ويظهر الطبل الموجود على الشاشة واضحاً، بينما تكون تلك الأشياء الموجودة في المكان الذي يقف المشاهدون فيه عامة خاماً. وهنا يُحضر نصر دراما القوة إلى مركز الصدارة. ففي الوقت الذي أكتب فيه هذه الكلمات، وفي الوقت الذي تتنافس فيه الأمم الشرقية والغربية برطانة صاخبة تبشِّر بحرب، يستحيل على المرء عدم تصور نفسه موجوداً في مكان أبعد من حدود مصر القومية.

وليس هذا العمل مجرد عمل عن استحالة الحوار بين قائد معين وشعب معين. فصرخة هذه الطبول، وتضارُب النغمات هذا الذي يقوده قائد الأوركسترا حسب حدسه، يعيدنا إلى التضارب المنتشر حالياً أمام أعيننا، من نيويورك إلى بغداد. فهل مكتوب على شعوب هذا العالم دائماً اتباع القادة الذين لا تتشكل شرعيتهم من صخر؟ وأية حرية وأي خيار يملكهما الناس ما عدا أن يتبعوا أوامر قادتهم بطاعة عمياء؟ وإذ لا يُقدم نصر أجوبة حاسمة عن هذه الأسئلة، إلا أنه، رغم ذلك، يسمح لنا بلمحة مما وصفه جيمز بولدوين بأنه "دليل الأشياء التي لم تُشاهَد". والحقيقة، إن وُجدت، أكثر تعقيداً مما تظهر عليه. ولكنها تتطلب منّا أن نتساءل باستمرار، وأن نتحدى بإصرار نظام الأشياء المُقَرر. فأصواتنا، مثلها مثل هذه الطبول الخام، ليست أقل أهمية من أصوات قادتنا.

 

ويبدو أن معتز نصر قد جعل مهمته فك شيفرة الأفكار التي قُُبلت بتسرع كبير. ويسعى إلى تدريب ضوءِ أسلوبه الدقيق الكشّاف على التناقضات التي يُتوقع منا قبولها كنظريات، وعلى مجريات الحدث الشاذة التي تُباع لنا كآراء للمستقبل. وهو ليس مدفوعاً بأية نشاطية سياسية، لا، ولا بأية حماسة رؤيوية بإحلال حقائق جديدة محل الحقائق القديمة. فنصر، بكل بساطة، يسعى لأن يضمن للفن العناصر المطلوبة لتناقضاته الخاصة. وعنده، الفن والحياة لا ينفصلان، كما لاحظ ذلك بيير رستاني قبل عشرين عاماً: "الفن ظاهرة لغوية، وذلك فقط. واللغة، تعبيرُ البشرِ عن أفكارهم، شيءٌ حيّ. وثمة أوقات تصبح فيها حركات الفن المتأرجحة منغلقة أو جامدة، وذلك حين يظهر الفن وقد فقد العوامل الداخلية الضرورية لحججه المضادة، حين يبدو وقد انقطع عن الحياة."

سيمون نجامي
ناقد فني وقيّم معارض
 باريس، فرنسا
2005

 

انظر أيضاً:

> معتز نصر
-
الصدى - فيديو آرت
-
أب و
ابن - فيديو آرت
-
القلق - صور فوتوغرافية
-
فيات نصر - صور فوتوغرافية
-
صنع الانسان - عمل انشائي

>
تصوير زيتي لـ تمارا النوري
>
صور فوتوغرافية لـ جمان النمري

press clips
summer academy
currently on
workshops