|
في البيت وبعيدا عنه*
السوريالية الغريبة لمنى حاطوم
أليكس
أولين
ليس ثمة مكان كالبيت، هذا ما يقوله المثل السائر، وفن منى حاطوم
أُعد ليثبت هذا القول بأسلوب باعث على الارتياب بكل وضوح. فللوطن
في عملها موقع ميثولوجي: موقع مثقل بالضياع والعنف، نحن منفيون عنه
باستمرار، مع أننا منجذبون إليه دائما. في أعمالها الإنشائية ذات
الطابع الاختزالي
installations
minimalistنلقى
أشياء نعتقد بأننا نعرف ما هي – مصفاة أو مبرشة أجبان- أشياء بحجم
يفوق أضعاف حجمها الطبيعي تلمع وتئز، يمر فيها تيار كهربائي ينذر
بالخطر، أو يدور فوق رؤوسنا ملوّحا بالنذر. كمّ من أشياء معروفة
تبدلت على هذا النحو وتحولت إلى أشياء غريبة. ليس من شأن هذه
الألفة أن تولّد الازدراء فقط، وإنما تولد إحساسا مشتركا
بالانزياح. فأعمال منى حاطوم تجعل مشاهديها يخطون داخل عالمها
كغرباء في عالم غريب.
الغربة تثير تداعيات كثيرة، ومنى حاطوم لها أسلوب يقف على حافة
السوريالية، وتحكّم عال وجرأة تستثمرها جميعها بمهارة. بين يديها
تنشر الغربة رداءها لتكشف عن شبكة معقدة من التضمينات، منها:
الأنثوية والسياسية والوجودية الكافكوية. وعلى الرغم من أنها حققت
اسمها في البداية من خلال أعمالها التي تركّز على موضوع الجسد، فإن
منى حاطوم تحولت مؤخرا لإنجاز أعمال أقل سردية لتصبح أعمالها
بالنتيجة أكثر غموضا. غير أن هذا التحول لم يسلب قوة التأثير من
أعمالها. وفي حقيقة الأمر فإن أعمالها الأخيرة تستمد قوتها من
الطريقة غير المباشرة التي تسبر فيها غور الحلم المتصدع بالبيت
(الوطن).
ولدت حاطوم في لبنان لوالدين فلسطينيين، ولم تستطع العائلة، نظرا
لتردد السلطات اللبنانية، أن تحصل على الهوية اللبنانية، لكنها
اكتسبت الجنسية البريطانية بدلا من تلك. ونتيجة لذلك انغرز في
نفسها منذ وقت مبكر إحساس بعدم الانتماء الكامل إلى المجتمع الذي
تقيم فيه. وازداد هذا الشعور بالغربة لاحقا بسبب الأحداث السياسية.
وفي أوائل السنوات العشرين من عمرها سافرت منى حاطوم إلى لندن في
زيارة كان القصد منها أن تكون زيارة قصيرة. حينذاك اندلعت الحرب
الأهلية اللبنانية، فلم يعد بوسعها العودة إلى لبنان. وهي إذ
انقطعت بها سبل العودة، باشرت الدراسة في معهدين فنيين في آن واحد
هما:
The Bayam Show School of Art
و
Slade School of Art
فتتشرب، عن طريق دراستها، بروح الفكاهة السريالية الانفصالية بقدر
ما تتشرب بالهدوء الانسيابي للنزعة الاختزالية. لقد تحول ذلك
الفاصل في سنواتها العشرين إلى مصير قدري، إذ ظلت حاطوم مقيمة في
الغرب منذ ذلك الحين.
لكونها ما تزال مقيمة في لندن، وموزعة في الفترة الأخيرة بين
الإقامة في لندن وبرلين، تمضي حاطوم الكثير من وقتها في الترحال،
وقد أنجزت الكثير من أعمالها خلال إقامتها في سكن الفنانين. أسلوب
الحياة البدوية هذا، بالإضافة إلى تاريخها الشخصي ذي الشقين في كل
من الشرق الأوسط والغرب، يمنحان عملها عمقا عالميا فريدا.
إن ما يثير غضب حاطوم، وهو أمر يمكن تفهمه،
المبالغة لدى التعريف بسيرتها الشخصية. إذ تقول في اللقاء الذي
أجرته معها الفنانة جانين أنتوني عام 1998:"غالبا ما توجه لي
الأسئلة نفسها"، أو :" ما هي ملامح ثقافتك الخاصة في عملك؟ كما لو
كنت أملك وصفة أستطيع فيها فعلا أن أعزل على انفراد كلا من المكوّن
العربي والمكوّن النسوي والمكوّن الفلسطيني. غالبا ما يتوقع الناس
أوصافا دقيقة تحدد الآخر، كما لو كانت الهوية شيئا ثابتا بالإمكان
تحديده بيسر."غير
أن النظر بعين الاعتبار لتاريخها الشخصي، لدى الحديث، يختلف عن
إحالته تبعا لمقدار ما يحتويه من أجزاء جغرافية. ومما لا شك فيه أن
عملها يغري بقدر من التأويل المستمد من سيرتها؛ فهو يسير بخط واضح
بين إثارة صراعات معينة والإشارة، بطريقة أكثر تجريدية، إلى عنف
الإنسان وقسوته. تتردد في معظم أعمالها نبرة ذات أصداء سياسية من
غير إقحام رسائل سياسية مباشرة.
في عمليها النحتيين "مستحيل
No
way
و مستحيل 2
No
Way 2
(1996)، مثلا، ربطت الفنانة ثقوب مصفاة ومبرشة بمسامير معدنية،
فاكتسبت هذه الأشياء شكل أسلحة (قضيب شائك ولغم أرضي). وتبعا
لحاطوم، التي نفذت أول هذين المنحوتتين في أثناء إقامتها في القدس،
إن ما أوحى إليها بالعملين كثرة المعوّقات العسكرية المفاجئة على
الطرق في هذه المدينة. غير أن ما يثيره هذان العملان من مضامين لا
يقف عند تلك الحدود. فبسبب أن المواد المستخدمة فيهما هي من
مستلزمات المطبخ، وهو ما تستخدمه النساء في أغلب الأحوال، يبدو أن
"المستحيل" والمستحيل 2" عملان يعبران عما تعانيه النساء وحدهن من
الإحساس بالخوف من الأماكن المغلقة (كلوستروفوبيا) والغضب الشديد
أيضا.
من المؤكد
أن في الكثير
من أعمال منى
حاطوم ثمة
مساحات للبيت
ترتبط بتربية
الأنثى وراحتها-
المطبخ وغرفة
النوم وغرفة
الأطفال- مشحونة
بالخطر والتشويه.
وهو ما يولّد
بالنتيجة إحساسا
بجو عائلي
يقف ضد نفسه،
تنافر يبعث
على التأمل
بالوظائف التقليدية
للأشياء المعروضة
والمواد المستخدمة
وطريقة تنفيذ
العمل. في عملها
الموسوم "لا
تواصل
Incommunicado"
(1993)، ثمة مهد
حديدي وضع
على عجلات،
استبدلت الفنانة
بالزنبرك أسلاكا
مصنوعة من
الجبن، لتوحي
بالإساءة إلى
الرضيع وسجنه
بدلا من نومه
الآمن. وعلى
نحو مشابه،
يبدو أن عمل
"تقسم المبشرة
Grater Divide
"(2002) شبيه
بستارة قابلة
للطي – تلك
التي يمكن
أن تقطّع الغرفة
إلى أقسام،
أو ما يمكن
أن تقف المرأة
خلفها لتغيير
ثيابها_ ولكنها
مثقّبة بالثقوب
المائلة لمبرشة
الجبن، مما
لا يجعل العمل
يوحي بالاستقلالية،
وإنما يوحي
برعب معوي
ناتج عن كشط
الطبقة الجلدية.
وعلى نحو مشابه
يطرح عمل الفنانة
المسمى "سرير
المبرشة
Grater Bed"(2008)
ثنائيين متنافرين
مادة وموضوعا:
فهو سرير لا
يرغب المرء
بالاستلقاء
عليه أبدا،
ومكان لا يمكن
أن توجد فيه
الراحة. إنه
جميل الصنع
ومثير للرعب،
وهذه طرق جذابة
ومنفّرة في
آن واحد.

على جثتي |
1988
|
لوحة إعلان، حبر على ورق |
204 × 304 سم
حتى لعب الأطفال استخدمت لمنح تأثيرات خارقة، كما في توظيف منى
حاطوم لدمى من الجنود. ففي عملها المسمى "على جثتي
Over My Dead Body"
(1998-2002)، يظهر وجه حاطوم في صورة جانبية على لوحة إعلانات وهي
تحدق إلى الأسفل في دمية جندي جاثم فوق أنفها. ثمة ظرف يشيع من هذه
الصورة الفوتوغرافية، إذ أن نظرة حاطوم المتغطرسة تظهر ضآلة
الاضطهاد والحرب، كما تبين أنه شيء مضحك. إنها تحدق في الجندي كما
لو كان ذبابة مزعجة. مع ذلك، فإن عنوان العمل "
Over My Dead Body"
الذي يهم الكثير من العالم، حقيقة لا يمكن التقليل من شأنها أو
اختزالها. وفي عملها " اللاتناهي
Infinity"
(1991-2001)، يمضي الجنود الدمى في مشية عسكرية رمزية في إشارة إلى
اللانهاية، من دون تحقيق أي هدف، فهم يلاحقون، بلا نهاية، عدوا غير
مرئي. وهم إذ ينتظمون فوق نهاية منضدة، كتلك التي نجدها في غرف
الاستقبال، فإن التعليق على الدوران اللانهائي للحرب يثير في آن
واحد ضحكا مؤذيا، ونقدا هادفا.
إذا كان في عملها "اللاتناهي" شيء من العبث، فإن "مصباح
Misbah"
(2006)، عمل شبحي وحزين، تستخدم فيه الضوء والظل لإيجاد جو من
الغموض والعنف. فالأجزاء المقطّعة من المصباح النحاسي تعطي أشباحا
مضيئة لجنود ونجوم داخل غرفة مظلمة. ومع الدوران المتواصل للمصباح،
يندفع الجنود حول الغرفة، وتغدو الأشكال النجمية ضبابية، وتتخذ
هيئة انفجار. تولد الحركة مشاعر مزدوجة من الانبهار ودوار البحر.
جميع هذه الجنود الدمى متشربة بالغموض الذي يعدّ علامة فارقة في
أعمال حاطوم. هل يقللون من قيمة الحرب، ويجعلون منها شيئا ينظر
إليه باحتقار؟ أو أنهم يذكّروننا بأن الحرب مجبولة فينا حتى في
طفولتنا، وأيضا بطريقة لعبنا، مما يعني أنه ليس ثمة براءة في
العالم؟
هكذا إذن، البراءة لا وجود لها حتى في أصغر الأشياء لدى حاطوم، كما
أنه ليس ثمة ملجأ يمكن إيجاده في أي مكان. "كل باب هو جدار
Every Door a Wall"
(2003) عمل يتناول ستارة عادية، منقوشة بمقالات منشورة في الصحف
تصف مسحا بالأشعة السينية لمهاجرين غير شرعيين يُهرّبون داخل
شاحنة، لتظهر أننا لا نستطيع، ولا ينبغي لنا، أن نختبئ وراء وسائل
الراحة الحامية لزينة البيت. ربما لا يوجد في أي مكان من استطاع أن
يعبّر عن هذا التقابل بالدقة التي عبر عنها عمل "ممسحة الباب 2
II
Doormat"
(2000-2001)، حيث ترتد كلمة "welcome"
لتغور بين دبابيس الحديد المقاوم للصدأ والشبيهة بسرير من مسامير.
وكان على زوار البيت، كيفما اتجهوا، أن يكونوا أكثر حذرا في
الداخل. لعل عمل "ممسحة الباب 2" يستدعي إلى الأذهان استخدام كلمة
(doormat)
في اللغة الدارجة بالنسبة لشخص يرتبط بعلاقة مع امرأة تسمح لنفسها
بالخضوع وسوء المعاملة. فالمسامير، بعد هذا، تطرح صورة ماكرة
للمقاومة، التهديد اللاسع الذي يواجهه الشخص المضطهد الذي ينتظر أن
بثأر ممن اضطهده. وهكذا، نجد مرة أخرى أن تداعيات فكرة البيت تنطوي
على هامش من الجنوسة، وهي توجد مضمونا متخفيا من النسوية، ملتو
ومريرا في آن واحد.
يعود انشغال حاطوم بقضية المرأة إلى المراحل الأولى من حياتها
المهنية، عندما لفتت اهتمام النقّاد بما قدمته في فن الفيديو
والأعمال الأدائية التي تسلط الضوء على الجسد. "ما أريد كثيرا أن
أقوله
So
Much I Want to Say"
(1983)، عمل فني بالفيديو يظهر فم الفنانة تقيسه يدا رجل، وفي
الوقت نفسه يكرر الصوت عنوان العمل. يتردد الصوت بسرعة اعتيادية،
بينما تتمتم الصورة، ويجري تحديثها من مقطّر كل ثمان ثواني. يضيف
هذا القطع بين الصوت والصورة المرئية ضغطا أقوى على صورة الرقابة
التي هي في الأصل قوية التأثير. إن هذا العمل، مثل الكثير من أعمال
حاطوم، يحدد مكان الجسد بوصفه مركز شبكة من الهموم - السياسية
والنسوية واللسانية – ونتيجة لذلك فهو ينتزع ردود أفعال معوية
عالية. تقول حاطوم في مقابلة أجراها مايكل آرتشر:"لم أكن أكتفي
بالأعمال التي تجذب العين والذهن من دون أن تقحم الجسم إقحاما
فعليا. بل إن تجسيد العمل الفني لدي يكون داخل مملكة الجسم؛ الجسد
محور مدركاتنا، فكيف يمكن للفن أن لا ينطلق من هذه المسألة؟ إننا
نتواصل مع العالم من خلال حواسنا."
كشأن عمل حاطوم،
فإن عملها
المسمى "قياس
المسافات البعيدة
Measures of Distance"
(1988) يلقي على
الجسد طبقات
من الأصداء
المركبة. فهي
تعرض شريطا
مسجلا بالفيديو
يصور أمها
وهي تستحم
تحت رشاش الماء،
مع نص بالعربية
يمر فوق جسمها.
فاللغة تمر
هنا مثل وشاح
أو سياج شبيه
بالأسلاك الشائكة،
قاطعة جسمها
من دون أن تحجبه،
تاركة خطوطه
الخارجية وحقيقة
عريه واضحة.
يعيد هذا العمل
انتحال صورة
جسد المرأة
باعتباره قد
خلق من أجل
أن ينظر إليه
الرجل- والنظرة
هنا هي تلك
التي فيها
اشتياق، ولكنه
اشتياق بين
أم وابنتها،
وبين الكاميرا
والموضوع.
ترافق هذه
المشاهد قراءة
للرسائل المتبادلة
بين حاطوم
وأمها بصوت
مسموع، لتوثق
الحوار الدائر
بين أم وابنتها
على امتداد
جغرافي واسع
وفجوة تفصل
بين جيلين
أيضا. التسجيل
الصوتي يبث
صوت حاطوم
وهي تقرأ الرسائل
قراءة رتيبة
بينما يدور
في الوقت نفسه
حوار بالعربية
مشحون بالحيوية،
فلا يتميز
أحدهما عن
الآخر في اللغة
أو الطريقة،
وهكذا هو الحال
أيضا بالنسبة
لصورة الجسد
العاري المغطى
بالنص المكتوب.
يتناول عمل
"قياس المسافات
البعيدة" تعددية
الصوت والصورة
والثقافة،
الطبقات المتعددة،
وتعدد صورة
التعايش في
وسائل الإعلام.
يجمع هذا العمل
مشاعر الحب
والحزن في
مزاج واحد،
لأن التعددية
تنشأ من التصدع
والانفصال
والانزياح.

بدءا من تلك الأعمال المبكرة، واصلت منى حاطوم توظيفها للجسد بوصفه
مادة فنية استخداما شمل حتى شعر رأسها. في عملها المسمى "حديقة
عامة
Jardin Public"
(1993)، كرسي يخرج من مثلث أنيق فيه شعر عانة أنثى. في لعبها على
العنوان (عامة/عانة
public/pubic)
وتصويرها الذكي للجسم في موضوع جامد (حديقة عامة)، تعيد الفنانة
إلى الأذهان روح الفكاهة السوريالية لدى ماغريت. وتبعا لحاطوم،
فإن جذور القطعة تكمن في جذر كلمتي
public
و
pubic،
إشارة إلى وقت البلوغ الجنسي وما يصاحبه من دخول إلى الحياة
المدنية للفرد. في عملها "حركة السير
Traffic"
(2002)، حقيبتان موضوعتان على الأرض متعلقتان بكتلة سميكة من شعر
إنسان. يقدم هذا العمل مجموعة مكثفة من المعاني. من الممكن مشاهدة
العمل على أنه مجاز يرمز إلى أولئك الذين يسافرون حاملين معهم
حقائبهم (عاطفية أو ثقافية أو حرفية) منتقلين من ثقافة إلى أخرى.
والفنانة هنا تذكرنا، في الوقت نفسه، بأنه ما من شيء يرتبط بحياتنا
من دون أن يشتبك بأجسامنا وعواطفنا وإحساسنا بأنفسنا. كما يبدو
أخيرا، أن موضوع العمل يشير إلى تداعيات حركة سير الإنسان؛ فربما
تسرب الشعر من خارج جسم لا تحتويه هاتين الحقيبتين احتواء كاملا.
والتقابل ما بين المراكز الهامة المضطربة للجسم، والتقشف الجامد
للشيء يوقظ الرعشة الفرويدية إزاء الخارق. وعلى نحو مشابه جدا، فإن
عملها المسمى "كوفية
Keffieh"
(1993-1999) يظهر لنا وشاحا (لباس الرأس التقليدي لدى العربي)
مطرّزا بالشعر، وخصلاته اللولبية تهرب من كل الجوانب. إن موضوعة
الخصلة اللولبية، والتي يتكرر حضورها في أماكن أخرى من عمل حاطوم،
تمد هذه القطعة بروح حيوية ملتوية كالأفعى، تذكّرنا بأن الثقافة
حية وتتنفس، ناشئة من الجسم ومكتوبة عليه.
مؤخرا، غادر فن حاطوم إلى تخوم جديدة في الوقت الذي يحافظ فيه على
النسوية والوعي السياسي. وبدلا من إقامة عروض يحضر فيها الجسد
حضورا ماديا، يميل العمل إلى تقديم أشياء ذات علاقة بالأشياء
المنزلية، مثل الأثاث وأدوات المطبخ، وهي الأعمال التي لا يظهر
فيها الإنسان، وإنما يحضر ضمنا. غالبا ما تحتوي هذه المفردات
أقفاصا وحواجز تعزلها عن المشاهد، كما لو كانت داخل زنزانة. إن هذه
الأعمال الإنشائية، التي تخلت عن الناس ولكنها مسكونة بحضورهم،
تخلق في النتيجة أجواء من الضغينة تشير إلى أنها من مخلّفات أعمال
العنف. وهي إذ تضع هذه الأعمال بكل عناية داخل فجوة كبيرة من فضاء
المتحف، فمن الممكن أن يراها المشاهد على أنها قطع فنية محفوظة
لآثار ثقافة يحتمل أن تكون قد شوّشتها قصص الخيال، ومن الممكن
الحكم عليها من خلال شخصيتها.
في عملها المسمى "حدود البيت
Homebound"
(2000)، وهو عمل شاركت به منى حاطوم في المعرض الذي أقيم في متحف
تيت بريطانيا تحت عنوان:"العالم كله بوصفه أرضا أجنبية"، هناك أثاث
منزلي وأدوات مطبخ معروضة داخل مساحة فارغة خلف سور من الأسلاك.
وعلى الرغم من أن هذه الأشياء نقلت من المبنى الذي كان يحتويها،
فإنها مرتبة كما لو كانت داخل المنزل: فالكراسي، على سبيل المثال،
منتظمة حول مائدة الطعام كما قد تكون داخل المطبخ. وفوق المائدة
تبعثر مختلف أدوات المطبخ: مبرشة أجبان، ومنخل، ومصفاة. يمر داخل
هذه الأدوات شريط من مصابيح ضوئية، مشعة ومعتمة، وقد ضُخّم التيار
الكهربائي ذي 240 فولت الذي يربط بينهم ليطلق أزيزا باعثا على
التهديد. يتضمن أثاث المشهد أيضا مهدا وقنديلا وقفص طائر وأريكة
جُرّدت إلا من إطارها الحديدي، ولا يظهر في المكان أي أثر لفرشة أو
قماش يلطّف الحافات القاسية لهذه الأشياء الهيكلية.
أين ذهب الناس الذين كانوا في يوم ما يقيمون في هذا المنزل الغريب
والمزعج؟ إنهم إما تخلوا عن حدوده أو أُجبروا على إخلائه؛ فالسور
المصنوع من الأسلاك قد وضع إما لحماية المشاهد من الخارج، أو لحجز
العائلة في الداخل. ينبعث من المكان إحساس بوقوع كارثة غير معلومة.
أغلب الظن أن المشهد ينطوي على أسرار أحداث غامضة من الماضي، هذا
لو كنا نعرف فقط كيف نحل رموزه.
كان الراحل إدوارد سعيد قد كتب عن عمل حاطوم
الإنشائي قائلا:" في عصر المهاجرين، وحظر التجول، وبطاقات الهوية،
والمنافي والمذابح والخيام وهروب المواطنين... إنها الأدوات
الدنيوية للذاكرة المتحدية العاجزة عن التكيّف في مواجهة نفسها
وملاحقتها واضطهادها للآخر."
غير أن حاطوم لا تستخدم ما سمّاه سعيد بأدوات الذاكرة بقوة صريحة.
ثمة أسئلة تتردد: هل غادرت العائلة بلا عودة؟ هل قُتل أفرادها؟ هل
لديهم رغبة بالعودة إلى هذا المكان المرعب القادر على الأذى؟ ثمة
غموض كثير يحيط بهذا العمل، وربما يكون هو الغاية. في حالة غياب
المرجعية، فإن "حدود البيت" عمل يأبى أن يخضع إلى تأويل أخلاقي
لثقافة معينة، أو لتحديد أسم المضطهِد أو المضطَهَد.
اشتُهر خطاب سعيد بأنه كان يسعى إلى إظهار
الكيفية التي استُغل بها المنتج الثقافي، بما فيه الأدب والفنون
البصرية، لمنح الاضطهاد السياسي نفوذا. وفي الوقت نفسه وثّق
التفاعلات المعقدة، والتأثير المتبادل أيضا، ما بين الشرق والغرب.
فكتب قائلا:"أن نتجاهل، أو على العكس، أن ننتقص من قيمة تجارب
الغربيين والشرقيين المتداخلة، والاعتماد المتبادل للحقول الثقافية
التي تعايش فيها المستعمِر والمستعمَر وحارب بعضهم البعض الآخر من
خلال الإسقاطات، بالإضافة إلى التنافس في ميدان الجغرافية والسرد
والتاريخ، إنما هو لإغفال الجوهري من العالم في القرن الماضي."
هذه هو التداخل في التجارب بعينه- تداخل يعتّم :"التعريف الدقيق
لمعنى الآخر" الذي ذكرته في مقابلتها مع جانين أنطوني- بأن عمل منى
حاطوم اتخذ موضعا فريدا من أجل التعبير. فهذا الفن لا يبني جسورا
بين الثقافات، وهو لا يلمّ شمل اليائسين من الناس ويوحدهم عاطفيا
وروحيا. بل الأجدر، أن أعمالها الإنشائية الروحية تصهر هذه
المنافسات الجغرافية والتاريخية إلى أدنى حد من جوهرها، فلا تبق
وراءها غير الأثاث المجرد. يستنتج من ذلك أن جميع الثقافات- وجميع
المشاهدين- داخلون ضمن السيناريو المعذِّب لأعمالها الإنشائية
المعروضة.
في عملها المسمى "التيار الخفي
Undercurrent"
(2004) تستخدم حاطوم، كما في عملها "حدود البيت"، التيار الكهربائي
لإيجاد جو من التهديد. يتألف هذا العمل من سلك كهربائي غليظ
(كابل)، ومصابيح، وجهاز كومبيوتر للتحكم بإضاءة المصابيح وتعتيمها
بسرعة "التنفس البطيء" على حد تعبير حاطوم. نواة هذه المنحوتة
عبارة عن أرضية مربعة منسوجة من الأسلاك الغليظة، منها تتحرك أجزاء
رفيعة، مثل نبتة معترشة، تمضي في حركة لولبية،كل جديلة منها تنتهي
بمصباح قوته 15 واط.
يحيط الغموض بهذا العمل بدءا من مكوّناته. للسلك الغليظ وظيفة
خاصة- أن يغذي الأسلاك داخل المباني-، وهناك تحذير عام يطلب منا
الابتعاد عن العمل لدى عرضه. تستخدم المصابيح لإنارة الأجزاء
الداخلية من الأماكن المشيّدة. فهي معلقة في السقف، تغطيها مظلات
مصابيح أو مثبّتات، ليس القصد منها أن تفرش على الأرض. يبدو عمل "
التيار الخفي" ، بعد هذا أنه مؤلف من مبنى منهار انقلب الداخل منه
على الخارج، فأصبح هيكله مكشوفا. لو اعتبرنا أن المربع الذي يحتل
مركز العمل سجادة، فالبيت الذي يستحضره هذا التكوين في الأذهان،
إنما هو بيت غير حميم أو مريح. وبدلا من ذلك فالمزاج الذي يطغي على
العمل يبعث على التهديد بشكل غير مباشر، ففيه ما يشبه الأقبية وغرف
الاستجواب، والأماكن الخطيرة التي لا يجد فيها المرء أمنه.
لو سلّمنا بأن المحتويات التي صممت من أجل هذا البيت تبخرت بكل
جلاء، فقد نضطر أن نسأل ما هي وظيفة هذه المحتويات الآن. يبدو أننا
نراها وهي في خضم حالة من التحول إلى شيء آخر. تأمل أن شكل السلك
الغليظ وهو يندلق من الأرضية المربعة بأشكال منفردة، عبارة عن
خصلات ملتوية. يظهر لنا أن العمل، في انبساطه على الأرض، يوجد حدود
منطقته الخاصة، مثل خريطة أرض مبتدعة. كل خصلة تمتد من المركز
باتجاه جغرافية جديدة. لو فردنا كل خصلة على حدة، فإن حركتها توحي
بأن "التيار الخفي" يمكن أن يواصل توسعه على امتداد الأرض، ملحقا
به المساحة المحيطة به. هنا، كما هو الحال في أعمالها الأخرى،
تستثمر حاطوم الأشياء العادية بأصداء سياسية.
أخيرا، وربما ذلك هو أكثر الأمور خداعا، يظهر عمل "التيار
الخفي"-ويعمل- كما لو كان أكثر من شيء واحد. وعلى الرغم من أن لكل
من السلك الغليظ والمصابيح الكهربائية وظيفة آلية، فإن الخصلات
تمنح حسا بالرهافة والروحانية. يبدو العمل متوهجا بهدفه ونواياه
بفضل بنية السلك الغليظ، الشبيه بشيء حي، وتردد الأنوار بوقع حركة
التنفس. فمن الممكن أن يكون شيئا عضويا، كائنا يمتلك وعيا. ربما
ينطوي الوعي على ضغينة: فالخصلات الشريرة تعيد إلى الذاكرة رأس
ميدوزا، وذلك المركز المخيف المغطى بالأفاعي، إن نظرة واحدة منه
كافية لأن تحيل الشخص إلى حجر. وبهذا المعنى، فإن الوقوف أمام عمل
"التيار الخفي" يثير إحساسا شبيها بتجاوز طائش. و ربما لا يكون
الوعي بالعمل مهدِّدا وإنما منعزلا انعزالا مريرا، فمصابيحه
المتوهجة تبعث رسالة مفادها إننا غير قادرين على حل الشفرة.
مخلوق حي،
أو أرض، أو
بيت انقلبت
أوضاعه: جميع
هذه التداعيات
يمكن أن تتراكم
في عمل حاطوم.
كل منها يمنحنا
الإحساس بعالم
أموره ليست
على ما ينبغي
لها أن تكون-
وبشكل لا يمكننا
أن نحدده. تتوهج
المصابيح وتخفت
بصمت، مشيرة
إلى كل المتاعب
التي نعرف
أنها تدور
في الخفاء،
بل كل التيارات
الخفية المقلقة
في زمننا.

ثمة عمل إنشائي آخر بعنوان "بيت
Home"
(1999)، يتألف من مائدة مستطيلة خلف سور من أسلاك، تراكمت فوقها
الأنواع نفسها من أدوات المطبخ الميكانيكية (مصافي ومبرشات وخفّاقة
بيض ومغرفة ومطحنة) مصنوعة من حديد لامع مضاد للصدأ. إن هذه المواد
المصطفة على المائدة تشع بأنوار وينطلق منها أزيز مسموع من التيار
الكهربائي. قد تكون صورة من صور الأحلام الغريبة التي تراود
الأطفال-كأن تنبعث الحياة في لعبه ليلا، عندما لا يكون حاضرا ليشهد
تصرفاتها- أو قد تكون أسلحة، على الرغم من أن الكيفية التي يمكن أن
يكون عليها انتشارها رهن بمخيلة المشاهد. "بيت" عمل يبعث على الخوف
على النحو الذي تكون فيه الظلمة والموسيقى الجزأين الأشد تخويفا
في أفلام الرعب: ثمة إحساس بالخطر يلتحم بالجو، ولكن طبيعة
التهديد الحقيقية تبقى غير واضحة. وبصرف النظر عن كل شيء، فمن
الواضح أن منطقة الخطر في عمل "بيت" تكمن داخل نطاق المساحة
المنزلية، وهي من بعد أنثوية. ولكون العمل موصولا بتيار كهربائي،
فإن "بيت" عمل يوحي بأن الجنس نفسه يمكن أن يكون إقليما خطيرا، كما
قد يكون شكلا من أشكال المنفى.
يعيدنا هذا التداخل في معنى الجنس والإقليم إلى عمل الفيديو
الإنشائي الشهير لمنى حاطوم "جسم غريب" (1994). يشير عنوان هذا
العمل إلى جسم فرد أجنبي- حاطوم نفسها- ولكنه يشير أيضا إلى
الدرجات المتعدد للاقتحامات الفضولية الداخلة في تنفيذه ومشاهدته.
لإنجاز هذا العمل استعانت حاطوم بجهاز تصويري طبي مزود بمكبر (هو
ذاته جسم غريب) يتوغل في داخلها. والفيلم الذي نتج عن هذه العملية
خريطة مكبرة بحجم كبير جدا للشكل البشري: منتقلة من العين إلى داخل
جسمها، عبر جغرافية جلدها. وبانتقال الكاميرا عبر النسيج الحيوي
منسحبة على امتداد جلدها، تستعرض جسدها بتفاصيل مذهلة: فيها ظلال
من الأحمر والبني والأبيض، رطبة ويابسة، معوية جدا، ونابضة
بالحياة. تنعكس الصور على شاشة دائرية وُضعت على الأرض، بينما
وُضعت الشاشة نفسها داخل أسطوانة خشبية- مثل حجيرة تصويت أو حجيرة
هاتف دائرية- لابد للمشاهد أن يخطو داخلها.
يقلب عمل "جسم غريب" داخل جسم المرأة إلى خارجه، ويطرح ذلك الداخل
للعيان. التركيز على فكرة الإقليم تلزمنا على النظر إلى الجسد
بطريقة غير اعتيادية. ونتيجة لذلك فإن صورها تقلب على نحو ذكي
تشييء جسد المرأة الشائع في المجتمع الغربي: بإمكانك أن ترى كل جزء
من جسد المرأة في المجلات المخصصة للرجال، ولكن من المؤكد إنك غير
قادر على مشاهدة أوعيتها الشعرية أو أعضائها أو التجاويف الداخلية
لجسدها.
من الممكن أيضا تأويل هذا العمل الإنشائي على أنه تعليق على حجب
جسد المرأة الشائع في الكثير من المجتمعات الغربية. لقد برهنت
ناشطات نسويات مثل فاطمة المرنيسي على أن اللامساواة في المسائل
الجنسية بين الرجل والمرأة في المجتمعات الإسلامية قائمة على النظر
إلى جسد المرأة بوصفه مصدر سلطة باعثة على التهديد، وخطرا ينبغي
احتواءه. ومن أجل تحييد هذا التهديد، لابد من تغطية المرأة- أي
ارتداؤها الملابس، والحجاب وعزلها.
في عمل "جسم غريب" يتحول الفضاء الخاص إلى فضاء عام، كما أن تضخيم
صور جسد المرأة يمنحها سلطة مرعبة، بل ملتهمة. مع ذلك، فقد يكون من
الخطأ أن نقول إنه لا يوجد هنا حجاب أو عزل. فالشكل الاسطواني الذي
يحتوي على الفيديو يضيف طبقة من معنى الحجز الذي تجبر المشاهد على
الإحساس بها: فمن أجل مشاهدة هذه الصور، عليك أن تخطو إلى الداخل
وتنضم إلى الجسد في مكان سرّي. كما لابد لك من أن تتطلع إلى الأسفل
لمشاهدة الصور، لأن الفبديو وُضع على الأرض، ويعمل من موقع
القدمين. وهكذا يظهر أن موضع المشاهد بالقياس إلى العمل معقد بكل
وضوح بفضل عناصره الشكلية: عليك أن تتفحص المكان الذي ستقف عليه.
وهذا هو الحال أيضا في العمل المسمى "أنت ما تزال هنا
You Are Still Here"
(1994)، حيث يتحدث النص المكتوب على المرآة حديثا مباشرا مع صورة
المشاهد المنعكسة، فهو عمل يشرك المشاهد ويدخله ضمنه -شخصيا وجسميا
وجغرافيا أيضا.
تبدو حاطوم، شأنها شأن فرانز كافكا الذي كان يشعر على الدوام
بغربته عن المجتمع الذي يقيم فيه، فهي تريد أن تنمّي بقوة انغمار
المشاهد في هذه الانقسامات المعقدة ما بين الداخل والشخص الخارجي.
لقد قام كافكا، الألماني اليهودي الذي أقام في براغ التي يتكلم
سكانها اللغة التشيكية، بنسج الإحساس بالانزياح من خلال مادته
الأدبية، وحاطوم- التي تتحدث بطلاقة العربية والفرنسية
والإنجليزية، قد ولدت في بلد وتدين بولائها إلى بلد آخر وتقيم في
بلد ثالث- تقوم بعمل مشابه. إن ما ينشأ عن حساسية هذا الشخص
الخارجي كون مواز جدير بأن يكون أدب خيال علمي: فعملهما يقيم في
حقيقة بديلة تتخذ فيها الحياة العادية لنفسها أشكالا شبيهة
بالأحلام.
في رواية كافكا
"تحول الكائن
The Metamorphosis"
مثلا، يستيقظ
غريغور سامسا
ليجد نفسه
قد تحوّل إلى
حشرة. فتبقيه
عائلته، التي
يتملكها الفزع،
في غرفة داكنة.
كلما جاءت
أخته لتنظّف
الغرفة، يختبئ
غريغور، احتراما
لها، تحت الأريكة
ويغطي نفسه
بملاءة. ومع
مرور الوقت
تبدأ العائلة
بنسيان أمره
أو تكاد، وتملأ
الغرفة بأثاث
فائض عن الحاجة،
وهكذا أصبحت
المنطقة التي
كان غريغور
يشغلها بوصفها
مكانا خاصا
به، مخزنا
لحطام الأشياء
غير المرغوب
بها في الحياة
المنزلية للعائلة.
في نهاية الأمر،
وبعد أن يخرج
من ذاكرة العائلة
خروجا فعليا،
يموت وحيدا.
بمثل هذا التحوّل
يمر الجسم
في العمل المسمى
"جسم غريب".
فهو لدى تكبيره
وعكسه على
الشاشة، يتحول
إلى حشرة تحت
المجهر. والحقيقة
التي كانت
واقع حال ذات
مرة، جسم إنسان
عادي، تولّد
لدى المشاهد
إحساسا بالقلق،
والاختلاف
الجسيم، وتغريه
برفضه، كما
رُفض غريغور
من عائلته.

وعلى نحو مشابه تماما، فإن العمل المسمى
La
grande broyeuse (Mouli-Julienne x 21)
(2000)، يتلاعب بالأحجام لإيجاد حقيقة بديله يتحول فيها المألوف
إلى غريب.
Mouli-Julienne،
نوع من مفرمات اللحم أو الخضروات، تم تكبيرها إلى حجم كبير جدا
يرتفع إلى أعلى من رأس الإنسان المشاهد. تبدو المفرمة، وهي واقفة
بارتفاع على مسند من أربع أرجل مع مقبضها المنتصب، أقرب إلى شكل
حيوان مستثار حسيا من مجرد كونها أداة بسيطة. أما مركزها، وهو
المكان الذي ينبغي أن يوضع فيه الطعام المراد طحنه، فهو تجويف
عملاق، فضاء ملتهم من السهولة مشاهدته على أنه أسنان مهبل نقش بحجم
كبير مثير للضحك. مع ذلك، لا يقتصر عمل
La
grande broyeuse
، على هذا المعنى النفسي الجنسي، بل ثمة معان
كثيرة أخرى تشترك فيه؛ فالأنثى، كما هو الحال في غيره من أعمال
حاطوم، ترتبط بأشكال الغربة الأخرى ارتباطا لا فكاك منه.
لقد أشارت حاطوم ذاتها، إلى كافكا بوصفه أحد المصادر التي استوحت
منه عملها، خاصة في ربط عملها
La
grande broyeuse
بقصته "في مستعمرة المعاقَبين"، التي تحكي قصة المسافر الذي زار
مستعمرة لا اسم لها في أرض غريبة- من الواضح أنه مكان غير أوربي
يصف طبيعته على أنها واد رملي بمنحدرات جرداء ومناخ حار ثقيل
الوطأة. ففي هذا المكان يلتقي ضابطا يوشك أن ينفذ الحكم برجل أُدين
بعصيان رؤسائه. يتحدث كل من المسافر والضابط بالفرنسية التي لا
يتحدث بها المحكوم عليه، ثمة فجوة ألسنية تسند الإطار الكولونيالي
للقصة.
اتسمت طريقة تنفيذ الحكم بكونها مجهدة وسادية معا. فقد استخدمت
فيها مجموعة إبر من شأنها أن تنقش على جسد المحكوم عليه درسا
(مفاده في هذه الحالة:"احترم رؤساءك"). وعلى نحو بطيء سينفذ هذا
الوشم الرهيب إلى داخل جسمه حتى يوصله إلى حافة موت معذِّب جدا.
تنتشر الكلمات هنا، كما في عملها "قياس المسافات البعيدة"، فوق
الجسد؛ ولكن اللغة في قصة كافكا المعذِّبة، لا يقتصر عملها على
كونها مجرد صورة، وإنما سلاح للقتل أيضا.
يأمل الضابط الغارق في عشق هذه الماكينة، أن يتغاضى المسافر عن
استخدامها، لكن الرعب يتملكه بدلا عن ذلك. لدى بلوغ الرواية
ذروتها، وعندما يفهم أن زمن استخدام الماكينة أوشك أن ينتهي، يعفو
الضابط عن المحكوم عليه ويأخذ مكانه بعد أن يأمر الماكينة لتكتب
عبارة "كن عادلا" فوق جسده. ما إن تبدأ الماكينة بالعمل، حتى تقوم
بتحطيم ذاتها، ولكن بعد أن تقتل الضابط. ولدى تساقط أجزائها، تنهض
منها دوائر مسننة كبيرة على شكل شبيه بأسنان العجلة لتنتثر على
الأرض.
إلى جانب المثرمة، في
La
grande broyeuse،
ثلاثة أقراص كبيرة ترقد فوق الأرض كما لو أنها هي الأخرى قد تساقطت
من الماكينة. على ضوء قصة كافكا، يبدو أن
La
grande broyeuse
تشغل لحظة معينة: وذلك بعد أن بدأت الماكينة تحطم ذاتها، ولكن، قبل
أن تنهار أجزاؤها كليا. كما تبدو الماكينة، محطمة ولكنها ما زالت
واقفة، فهي على استعداد لاستخدامها ثانية. وهكذا أيضا، فإن العمل،
بعلاقاته القوية، يستدعي أمورا تمتد من السياسات الكولونيالية
المكتوبة على الجسد إلى نطاق خطر الخصائص الأنثوية؛ فما زال شبحها
يلازمنا.
ما معنى أن نقول إن عمل حاطوم كافكائي؟ الصلة بينهما مهمة، لا بسبب
السوريالية التي تغمر أعمالهما، ولكن لأن هذه السوريالية تعمل على
جذب الاهتمام، مرات ومرات، لاحتمال أن تكون الأشياء قادرة على
الاختفاء: جسدا كان أو غرفة أو بيتا. خلاصة القول بشأن" في مستعمرة
المعاقَبين"، يهرب المسافر من المستعمرة، ولكن القصة لا تذكر إلى
أين هو ذاهب، ويبدو من غير المحتمل أن يكون قادرا على نسيان ما قد
شاهد للتو حتى وإن كان في نهاية الأمر قد وصل إلى بيته. إن قوة
تأثير الكولونيالية تستمر، كما أشار سعيد، لتثير أصداءها في العالم
الحديث، في حياة العولمة التي نحياها، وبنى القوة المتقاطعة التي
تؤثر فينا جميعا. يضع عمل منى حاطوم الخطوط الخارجية لهذه الأصداء
المتنقلة. إذا كان العالم برمته أرضا أجنبية، فإن عملها، بعد هذا،
يرسم لتضاريسها خريطة مرعبة.
*هذا النص نسخة موسعة من مقالة تحمل العنوان نفسه، نشرت للمرة
الأولى في مجلة:Art
Papers
، في أطلنطا، العدد: أيار-حزيران، 2002.
|