English Version <

 

 

منى حاطوم – مقابلة أجرتها جانين أنتوني
مجلة بومب، نيويورك ربيع 2008

في كانون الأول من عام 1994، التقيتُ منى حاطوم في متحف "رينا صوفيا" بمدريد عندما كنّا نعمل على تركيب عملينا المتجاورين والمشاركين في معرض بعنوان Cocido y Crudo "النيئ والمطبوخ". كانت منى تعرض عملها الموسوم Corps étranger "جسم غريب"، وهو عمل مسجل على شريط فيديو ومنفذ بواسطة جهاز تصوير (كاميرا) طبي يدخل ويخرج عبر الفوهات وعلى امتداد سطح جسمها. أما أنا فكنت أعرض عملي المسمى Slumber "سبات"، وهو عرض أدائي تطلَّب مني أن أبيت في قاعة المتحف ليلاً، وفي النهار أنسجُ من قميص نومي بطانية لا نهاية لها، تصاميمها تنبع من وقع الحركات السريعة لعينيّ. 

متحف "رينا صوفيا" الذي كان في السابق مستشفى، مكان جميل ومخيف. كان بإمكاني في كل ليلة أن أسمع أصواتاً كثيرة، كما لو أن أشباحاً تتجوّل بين الردهات الطويلة. حتى أن الحرّاس الذين كانوا يمرّون كل ساعة عبر غرفتي، أخبروني أنهم يخشون من ظهور شبح يُدعى "أتولفو". لم يكن النوم أمراً يسيراً. وفي الساعة السادسة من كلِّ صباح كنتُ أنهض بفزع، مستيقظة على أنوار وأصوات فيديو منى حاطوم الذي كان يتم تشغيله بتوقيت آلي.

منذ ذلك الحين أصبحنا، أنا ومنى، نظهر أحياناً كثيرة جنباً إلى جنب في العديد من المعارض. وقد أمضينا معاً، مؤخراً، شهراً كاملاً ضمن "تجمّع شيكر" في Sabbath Day Lake في Maine. هناك فقط أصبحتُ قريبة من منى، ولكنني شعرت أنني عرفتها سابقاً عندما كنت بإسبانيا أمضي النهار كله في النسيج أصغي إلى نبض جسدها. 

منى حاطوم: لا أحب المقابلات. فغالباً ما أواجَه بالسؤال نفسه: ما الذي يرد في عملك مستمد من ثقافتك؟ كما لو كنت أملك وصفة أستطيع فيها فعلاً أن أعزل المكوّن العربي، والمكوّن الأنثوي، والمكوّن الفلسطيني. غالباً ما يتوقع الناس أوصافاً محددة للآخر، كما لو كانت الهوية شيئاً ثابتاً بالإمكان تحديده بيسر. 

جانين أنتوني: هل تعتقدين أن هذا النوع من الأسئلة يجعلنا نتحرّج من كيفية طرح ذاتنا وتأثيرها في العمل؟ 

م.ح: نعم، إذا كان الفنان من منطقة يشكل الحرب خلفية لها، فيُتَوقع غالباً أن العمل لا بدّ أن يعبّر عن هذا الصراع بشكل ما، أو يُمثل صوت الشعب. هذا منوال طويل. وأنا في أغلب الأحوال أجدني راغبة بتقديم ما يناقض تلك التوقعات. 

ج.أ: يبدو أن الكثيرون يتوقون لتحديد هويتك. عندما كنتُ أتطلّع في كتاب عن أعمالك وأقرأ المقالات التي كُتبت عنكِ، أذهلني الثبات على شيء معيّن. ثلاث مقالات بدأت بالجمل التالية: "منى حاطوم فنانة لبنانية المولد"؛ "ولدت منى حاطوم لعائلة من اللاجئين الفلسطينيين"؛ "منى حاطوم امرأة، فلسطينية، مولودة في بيروت." 

م.ح: بل عدم الثبات على شيء هو ما يزعجني أكثر، كأن يشير إليّ الناس على أنني لبنانية، وأنا لست كذلك، إذ على الرغم من أنني وُلدت في لبنان فإن عائلتي فلسطينية شأنها شأن الغالبية العظمى من العائلات الفلسطينية التي أصبحت مغتربة في لبنان بعد سنة 1948، ولم تتمكن من الحصول على الهوية اللبنانية قط. وهذه كانت إحدى الوسائل التي اتُّبعت لعدم تشجيع الفلسطينيين على الاندماج في الوضع اللبناني. بدلاً من ذلك، ولأسباب لن أدخل الآن في تفاصيلها، اكتسبت عائلتي الجنسيةَ البريطانية، وهكذا امتلكتُ جواز سفر بريطانياً منذ ولادتي. نشأت في بيروت في كنف عائلة عانت من خسائر مهولة، وعاشت إحساس من اقتُلع من مكانه. عندما ذهبت في العام 1975 في زيارة إلى لندن، خُطّط لها أن تكون قصيرة، وجدت نفسي غير قادرة على العودة بسبب اندلاع الحرب في لبنان، الأمر الذي جعلني أعيش نوعاً آخر من الاقتلاع من المكان. تجلّت هذه الحالة في عملي على شكل إحساس بالانفصال. على سبيل المثال في عملي المسمى Light Sentence "حكم مخفَّف" تحدث حركة مصباح النور حركةً متواصلة في ظلال الخزائن السلكية، فينشأ إحساس كبير بعدم الاستقرار. وعند الدخول في المكان يتولّد انطباع بأن الغرفة برمّتها تتأرجح، ويصاحب ذلك شعور مقلق بأن أرضية الغرفة تتزحزح تحت الأقدام. هذا جو ما يزال متقلباً باستمرار من غير أن يكون فيه وجهة نظر واحدة أو مرجعية محددة. ثمة إحساس مفعم بالقلق وعدم الاستقرار داخل العمل. هذه إحدى الطرق التي يظهر العملُ فيها متأثراً بخلفيتي. ومن ناحية أخرى فقد مضى عليّ نصف عمري وأنا مقيمة في الغرب، لذلك حين أتحدث عن أعمال مثل "حكم مخفَّف"، أو Quarters "أرباع"، أو Current Disturbance "اضطراب حالي" بوصفها أعمالاً تشير إلى نوع من العنف المؤسساتي، فإنني أتحدث عن التقاء مجموعة بنى معمارية ومؤسساتية في البيئة الحضرية بالغرب، والتي تدور حول إخضاع الأفراد إلى نسق موحد، لتثبيتهم داخل مكان ما ووضعهم تحت المراقبة. ما أحاول قوله هنا إن أعمالي تُعنى بالحقائق المتعلقة بجذوري قدر عنايتها بتقديم صورة أو تصوّر عن البنى المؤسساتية والسلطوية للغرب والتي وجدت نفسي أعايشها على امتداد السنوات العشرين الأخيرة. 


حكم مخفف | 1992 | خزائن من منخل سلكي، مصباح كهربائي متحرك بماكنة | 198 × 185 × 490 سم

ج.أ: ما الذي يجعل المرء يدّعي علاقته بهذا التاريخ دون الآخر؟ أنا من جزر الباهاماس، ولكنني تلقيتُ تعليمي في الولايات المتحدة الأمريكية، مثلما تلقيتِ أنت تعليمكِ في لندن. ألا يشكّل نهج الحركة الاختزالية جزءاً كبيراً من تاريخنا بقدر ما يشكله المكان الذي أتينا منه؟ 

م.ح: تماماً، كنتُ شديدة الانبهار بالفنَّين الاختزالي والمفاهيمي خلال دراستي لنيل الشهادة الأولى. وعند انتقالي إلى الجامعة في ما بعد، كان هذا لقائي الأول مع مؤسسة بيروقراطية كبيرة، أصبحتُ منشغلة بتحليل بنى السلطة، أولاً في ما يتعلق بالنسوية، وبصيغة أوسع في ما بعد كما هو الحال في العلاقة بين العالم الثالث والغرب. فقد قادني ذلك إلى تقديم أعمال أدائية مليئة بالتحدي وقائمة على قضية ومشحونة بالغضب والإحساس الملّح بالأهمية. في وقت لاحق، وعندما دخلت ميدان العمل الإنشائي وصناعة الأغراض، لا أريد أن أقول إنني عدت ثانية إلى جماليات الأسلوب الاختزالي، ولكنني اتبعت اتجاهاً تكثيفياً، حيث يمكن النظر إلى أشكالي بوصفها بنى جمالية مجردة، ولكن بالإمكان أيضاً معاينتها على أنها أقفاص وخزائن ومقاعد وأسرّة وغيرها. بذلك أصبح العمل مليئاً بالتداعيات والمعاني، بل أصبح صورة تعكس الأجواءَ الاجتماعية التي نعيش فيها. وعلى العكس من الفن الاختزالي، فإن هذه الأعمال لا تفصح عن نفسها فقط.

ج.أ: في المعرض الذي أقيم في "نيو ميوزيوم"، كنت مندهشة مما وجدتُ من اختلاف في الجوانب الشكلية في منحوتاتك الأخيرة مقارنة بأعمال سابقة لكِ مثل Measures of Distance "مقاييس البعد"، هذا العمل سكنني منذ أن شاهدته للمرة الأولى قبل بضع سنوات مضت. فهو شخصي جداً مع أنه من الصعب تحديده. وليس من السهل التعرف إليه. إنك تتطلعين، بصرياً، من خلال طبقات من المعلومات: أولها الرسائل المكتوبة بالعربية بخط اليد، وآخرها شخص والدتك، مع أنه ليس بالإمكان مشاهدة صورتها وهي عارية بوضوح. والصوت يعمل بالطريقة نفسها. شعرت أنني أشدّ على نفسي لأسترقّ السمع إلى حوار خصوصي. هذا الفيديو لا يحمل الخصائص المباشرة التي تحملها تلك الأعمال المتأخرة.


مقاييس البعد  | 1988 | فيديو | 15 دقيقة

م.ح: "مقاييس البعد" عمل ذو أهمية كبيرة لدي. أنا أراه ذروة الأعمال السردية الأولى ونهايتها، وهي أعمال كان أساسها قضية. كنت على مدى سنوات أحاول أن أقدم بيانات موضوعية وعامة حول وضع العالم. في عملي "مقاييس البعد" اتخذت قراراً واعياً بالخوض في الشخصي مهما كانت عليه المواد التي أستخدمها من تعقيد وتشويش وتناقض. خلال زيارتي إلى بيروت عام 1981، التقطتُ صوراً لوالدتي وهي تستحمّ تحت رشاش الماء (الدوش). كانت القضية النسوية قد جعلت من تقديم صورة المرأة مسألة إشكالية إلى درجة أن صورة المرأة خرجت من إطار الفن وأصبحت غائبة. كان أمراً محبطاً جداً. وعانيت لسنوات عدة من الصراع حول ما إذا كان ينبغي لي استخدام صور أمي هذه في عملي. ولم أتمكن من إنجاز العمل بشكله النهائي إلا في عام 1988، غير أني في أثناء ذلك استخدمت المادة في عمل أدائي. وعلى أي حال، عندما أنجزت العمل وجدت أنه يتحدث عن تعقيدات المنفى والانزياح وما تولّده الحروب من إحساس بالفقدان والفرقة. بمعنى آخر، فإن العمل وضع الصورة، أو هذا الشخص (والدتي) ضمن سياق اجتماعي سياسي. 

ج.أ: بوسعي مشاركتك المشاعر بشأن استخدام تلك الصور لوالدتك، لأنني واجهت أسئلة مماثلة عندما شرعت باستخدام شخصيتيَّ والديّ في عملي. فقد أدركتُ بصورة مفاجئة أنهما مصدر قضايا شخصية لديّ، وأن إقحامهما في العمل معناه أن أطلب منهما مجابهة هذه القضايا. كان عليَّ، عند نقطة معينة، أن أسأل نفسي عما إذا كان من حقي أن أتقدم منهما بطلب كهذا، وأن أكشف عنهما بهذه الطريقة. كنت أتساءل عما إذا كانت الضبابية في "مقاييس البعد"تعكس نوعاً من ازدواجية الموقف حول عرض جانب حميم جداً من علاقتك بوالدتك، بقدر ما هي محاولة للتعبير عن هذا التعقيد من خلال عدم السماح للعمل بالاستقرار في أي مكان. 

م.ح: نعم، هو نوع من الخوض داخل فوضى من المعاني.

ج.أ: وهو ما تقدمينه بصرياً بشكل جميل جداً. 

م.ح: بحق، لقد أردت أن أسبر غور التعقيدات عبر عرض متناقض للعديد من العناصر الشكلية والبصرية التي تُنتج طبقات متنافرة من المعاني. أردت من كل إطار أن يتحدث عن القرب والبعد. لديك اللقطات المقرّبة لجسم والدتي العاري، والتي هي انعكاس للعلاقة الحميمة التي تربط بيننا، تغشّيها رسائلها التي يُفترض بها أن تكون وسيلة اتصال، إلا أنها في الوقت نفسه تحول دون الوصول إلى الصورة بشكل كامل. لقد رأى الناس الكتابة العربية أسلاكاً شائكة.

ج.أ: أو رأوها حجاباً. 

م.ح: هذا صحيح. لقد بنيتُ العمل حول رسائل أمي، لأن الرسائل تحمل مضمون الابتعاد، مع ذلك فهي تتعامل مع مسائل حميمة للغاية. كما أنك تجدين أصواتنا المفعمة بالحياة تتحدث العربية وتضحك، متناقضة مع صوتي الحزين وهو يتلو رسائل أمي مترجمة إلى الإنجليزية. 

ج.أ: أحبّ كيف أن أسئلتك شديدة التحدي، مع أن والدتك تظل تكرر: "عزيزتي منى، حبيبة قلبي". 

م.ح: صحيح، بل إنها تستخدم عبارات أكثر شاعرية، عبارات لا مقابل لها في الإنجليزية. عندما أنجزتُ "مقاييس البعد" شعرت أنني أزلت عن ظهري عبئاً ثقيلاً جداً. وأحسست بعد ذلك أنه أصبح بإمكاني المضي في تنفيذ أنواع أخرى من الأعمال التي ليس من الضروري أن يسرد كل واحد منها الحكاية كلها، وحيث بإمكاني أن أتعامل مع جانب واحد فقط من تجربتي. كان ذلك عندما شرعت بإنجاز أعمال إنشائية. 

ج.أ: إذا ما نظرنا إلى مجموعة أعمالك في "نيو ميوزيوم"، نلاحظ أن أعمالك الأخيرة باتت مفتوحة أكثر. السياسي موجود فيها، ولكن أشكاله تغيّرت. وبدلاً من أن تكون موضوعية أصبحت تجريبية، خاصة في الأعمال الإنشائية التي يجد المشاهدون فيها أنفسهم في وضع غير مريح. ومن موقع غير مستقر، يبدو أن استجابتهم تمنح العمل معناه. 

م.ح: في أعمالي الأدائية الأولى كنتُ أطرح أو أوصل رسالة إلى المشاهد بشكل ما. لكنني، في أعمالي الإنشائية، أردتُ أن أورّط المشاهد في الوضع الظاهري حيث تكون التجربة أكثر فيزيائية ومباشرة. لقد أردت من المشاهد أن ينشغل بالجانب البصري من العمل بطريقة مادية وحسية، وربما عاطفية أيضاً؛ أما التداعيات والبحث عن المعنى فهي أمور تأتي لاحقاً. وعلى الرغم من أن العنوان قد يوجه اهتمامك إلى جانب واحد من العمل، فإنني آمل أن يظل العمل مفتوحاً إلى حد يتيح المجال فيه لتأويلات مختلفة. هناك سيدة في "نيو ميوزيوم"، قالت إن توهج ضوء المصابيح وخفوتها الباهت في العمل المسمى "اضطراب حالي" حملها على التفكير بالذروة الجنسية. ما أجمل ذلك! لكنها قالت إنها تذكرت في ما بعد أن من المفترض أن يكون عملي ذا مضمون سياسي، وأن عليها أن تفكر بأن الأضواء داخل الأقفاص تمثل أناساً في السجن. لذلك فأنا أعتقد أن هذا نموذج جيد جداً. ليس ثمة تأويل واحد، ولهذا السبب أجدني دائماً أمام مسألة إشكالية عندما يريد المتحف أو قاعة العرض نصاً توضيحياً ليُعَلّق على الحائط. فذلك من شأنه تثبيت المعنى وتحديد قراءة العمل وعدم إتاحة المجال للمشاهد لامتلاك مساحة واسعة من التأويل المتخيَّل الخاص به والتي تعكس تجربته الخاصة.

ج.أ: ما الدور الذي ترغبين أن يؤديه عملك، وما الدور الذي تشعرين أن عالم الفن اختارك له؟ 

م.ح: أريد للعمل أولاً أن يكون له حضور شكلي قوي، وأن يوجِد من خلال التجربة الفيزيائية تجاوباً نفسياً وعاطفياً. بشكل عام، أريد أن أخلق حالة يصبح الواقع فيها مسألة مشكوك فيها، حيث ينبغي للمرء أن يعيد التفكير في افتراضاته وعلاقته بما يحيط به. وهذا نوع من فحص الذات والبنى السلطوية التي تسيطر علينا. هل أنا السجينة أم السجّان؟ المضطَهَدة أم المضطهِدة؟ أم كلاهما. أريد من العمل أن يعقّد هذه الوضعيّات ويقدم حالة من الغموض واللامبالاة بدلاً من أن يعطي أجوبة مؤكدة وثابتة. قد يبدو شيء ما عن بعد كما لو أنه سجادة مصنوعة من مخمل ناعم، ولدى الاقتراب منه يتضح أنه مصنوع من دبابيس من مادة الحديد المضاد للصدأ، وهكذا تحوّل إلى شكل مهدِّد وبارد بدلاً من كونه شكلاً جذّاباً. وهو ليس بالشيء الذي وُعدنا أن يكون. وهذا ما يبعث على التساؤل عن مدى ثبات الأرضية التي تمشين فوقها، وهي أيضاً الأساس الذي يرتكز عليه سلوكك ومعتقدك. عندما انتقل عملي من التوجه السياسي الخطابي المباشر إلى تغلغل الأفكار السياسية ضمن الشكل والجماليات، أصبح العمل أقرب إلى كونه منظومة مفتوحة. ومنذ ذلك الحين وأنا أقاوم محاولات المؤسسات لتحديد معنى معين في عملي بوضعه ضمن المعارض التي تقام تحت موضوع محدد. 

ج.أ: حسناً، في هذا المناخ المتطور والمنفتح سياسياً، لا زال الناس لا يعرفون كيف يتعاملون معك إن كنت لا تتبعين أنماطاً معينة. فهل تعتقدين أن ذلك هو ما دفعنا، نحن الفنانين، إلى إنجاز أعمال لا تخضع لأي تعريف محدد بتلك الطريقة؟ إنها استجابة طبيعية لتجنب دعم النمطية، مع علمي أن المسألة أكثر تعقيداً من ذلك. 

م.ح: لقد اتخذت على الدوام موقفاً مضاداً ومتمرداً. كلما شعرت بأنني مدفوعة أكثر نحو صياغة قالب ما، تعاظمَ شعوري بنهج اتجاه معاكس. كما حدث حين أنجزت عملي Jardin public "حديقة عامة". فقد اكتشفت أن لكلمتي Public (عامة) و Pubic (عانة) جذراً واحداً. استخدمت كرسياً مصنوعاً من حديد مطاوع، شبيهاً بتلك الكراسي التي تشاهَد في الحدائق العامة في باريس. وضعت اسم العمل باللغة الفرنسية من أجل التشديد على هذه العلاقة. وزرعت شَعر عانة على شكل مثلث فوق المقعد ليبدو عشباً نابتاً من الفتحات، فاستمتعت بالجانب السوريالي في هذا العمل. وللعلم، إنني دخلت عالم الفن من باب السوريالية، بل إن أول كتاب فني اقتنيته كان عن الفنان ماغريت. ولذا، كان ذلك العمل ظريفاً، فيه روح الفكاهة، ولكن بالإمكان قراءته أيضاً على أنه تعليق حول حقيقة أن العضو التناسلي للنساء معروض دائماً أمام الجمهور. فاجأ هذا العمل عدداً من الناس، فأدركت أن الجمهور لا يتوقع أن يرى في عملي أي دعابة. 

ج.أ: عندما كنت تحدثينني عن أشخاص يريدون منكِ أن تتحدثي من الهوامش، بوصفك من الخارج، أو الشخص الآخر، تذكرتُ الفنان فيليكس غونزاليس توريس وهو يحاول أن يضع نفسه في المركز. فقد اعتمد شكلاً معترفاً به فنياً، بمعنى "الفن الراقي" للكلمة، وأخفى المضمون تحت هذا الشكل أو داخله. بداية، يتقبّل المشاهدون أعماله، ثم سيكون عليهم مواجهة حقيقة ما ترمي إليه.

م.ح: في العروض الأدائية المبكرة، كنت أرى نفسي شخصاً هامشياً يتوغل في هوامش عالم الفن، وبدا لي من المنطقي أن أوجه من خلال العروض نقداً للمؤسسة. وبعد مدة لم أكن راضية عن التوجه الخطابي الواضح، ولم أعد بعد ذلك موقنة إذا كانت الأعمال التي أنجزها هي الأعمال التي أرغب بعملها، أم إنها نتيجة تبني ما يتوقعه الآخرون وقولبتي في صيغة فنان يؤدي دوراً سياسياً. ثمة خط رفيع جداً يفصل بين الاثنين. أردت أن أقدم أعمالاً تمنح مزايا للجوانب البصرية والشكلية والمتعلقة بالمادة في صناعة الفن، وأحاول أن أفصح عن السياسي من خلال جماليات العمل. يعجبني أسلوب الفنان غونزاليس توريس لأن عمله سياسي وجمالي في آن واحد. وأكثر ما يثير إعجابي بعمله شدة البساطة في مظهره، في مقابل معالجته قضايا هشاشة الجسد، وأخرى تتعلق بالموت المبكر وغير ذلك، ولكنه يقدمها من خلال لغة الفن. 

ج.أ: إذاً لنتحدث عن "الجسد". كلانا تصنَّف أعمالنا داخل هذا الإطار. هل بإمكانك التحدث عن الدور المحدد للجسد في أعمالك. في الكثير من أعمالك يغيب الجسد مادياً، لكنه يحضر ضمنياً، أو لعل الجسد المقترح هو في الحقيقة جسد المشاهد. أنا مهتمة بالطريقة التي تجعلين فيها المشاهد يمتلك شعوراً فيزيائياً وهو في داخل عمل إنشائي أو أمام شيء ما. 

م.ح: عندما كنت طالبة في مدرسة "سليد" التابعة لكلية لندن الجامعية في أواخر السبعينيات من القرن العشرين، أصبح الجسد لديَّ قضية. كان الجو المحيط بي في ذلك الوقت بارداً ويفضل البحث الفكري. غير أنني كنت أمتلك ذلك الشعور بأن الناس المحيطين بي عقول مجردة من الأجساد. وبموقف معارض لهذا النوع من السلوك، شرعت بالتركيز المشدد على الجسد أولاً باستخدام منتجاته ووظائفه مادةً للعمل، ومن ثم، في ما بعد، الاستخدام المجازي ليرمز إلى المجتمع (الجسم الاجتماعي). ومن دون الدخول في التفاصيل هنا، تبين لي أن أي شيئ أردت العمل به حينذاك كان مقيداً، بل كان خاضعاً للرقابة أيضاً. كان يُنظر إليَّ بوصفي حدثاً معزولاً، شخصية قادمة من لا مكان تحاول تمزيق جو فكري محترم. تلك القضايا نفسها التي حاولت مناقشتها في عملي آنذاك أصبحت اليوم عملة متداولة مشتركة في عالم الفن– أقصد بشكل عام التركيز على الجسد. في نهاية الثمانينيات أردت أن أُخرج جسدي من العمل، جسد المؤدية، ليحل مكانه جسد المشاهد عن طريق التفاعل المباشر مع العمل. إنني دائماً أضع المشاهد نصب عيني حين أنشئ عملي. فالمشاهد متورط بشكل ما، بل هو واقع في الشرك بصرياً أو نفسياً في بعض الأعمال الإنشائية. فالمنحوتات القائمة على قطع أثاث لها علاقة كبيرة بالجسد أيضاً، وهي تشجع المشاهدين على إسقاط ذواتهم إسقاطا ذهنياً على الأشياء المعروضة.

ج.أ: هناك عملان اختصرا المدى الذي تنطلقين منه في تعاملك مع الجسد، وهما سريران يصبحان في نهاية الأمر جسماً بشكل من الأشكال. أحدهما بعنوان Marrow "نخاغ" والذي وجدتُه يصور جسماً منهاراً. وهو برأيي عمل يثير المشاعر إلى حد كبير، لأنه يضعني أمام هشاشة الجسم، أو شيء من خيبة الأمل، لأنه خذلك. وحقيقة كونه سريراً صغيراً، أو مهداً، يجعلني أفكر بماضٍ انطوى تحت ثقل وزنه. السرير في العمل الثاني Divan Bed "سرير" مصنوع من حديد بارد يجعله يبدو وكأنه يدور حول الجسم المنعزل، جسم أصبح يضيق بمحيطه. هل ترغبين بالحديث عن ذلك المدى؟ 

م.ح: أطلقت على العمل الأول اسم "نخاع" إشارة إلى النخاع العظمي المجرد من الهيكل العظمي الذي يحتويه ويسنده. لذلك يصبح، كما قلت، جسماً منهاراً. لقد استخدمت مطاطاً بلون العسل له مظهر اللحم. أما في العمل الثاني "سرير" فقد استخدمت صفائح أرضيات، وهي مادة صناعية تُستخدم لفرش الأرضيات. فالتصاميم النافرة بوضوح على سطح هذه الصفيحة تشكّل معادلاً بارداً وصلباً للقماش المبطّن الناعم الذي يغطي السرير عادة.. في البداية كنت أريد أن أطلق على العمل اسم Sarcophagus "قبر". وقد يعطيك ذلك فكرة عما كنت أفكر به. 


نخـاع | 1996 | مطاط | مقاس متغير

ج.أ: كلا العملين، "نخاع" و"سرير"، أنشئا بالطريقة نفسها التي اتبعها السورياليون في إنشاء صور أعمالهم. 

م.ح: نعم، فيدفعني العمل إلى التفكير باللوحات التي أنجزها ماغريت، حيث يبدو كل سطح في اللوحات، الشخص والنافذة والمائدة وكل شيء آخر، كأنه حفر بالإزميل في الحجر. وأيضاً عمل ماغريت "مدام ريكامييه" حيث استبدل المرأة القاسية في لوحة دافيد، بتابوت ملقى فوق أريكة طويلة.

ج.أ: تحدثنا في وقت سابق عما إذا كان الجمهور يلتقط هذه المرجعيات، وكيف أن معظم الناس يميلون إلى الحديث عن أمور حياتية يومية. تلك القطعة لها علاقة بالسوريالية بقدر علاقتها بالاختزالية. وقد يرى المرء أنها كانت قفزة كبيرة في عمل واحد، لكنهما يلتقيان بسلاسة في نهاية الأمر. 

م.ح: أحب أن أستخدم الأثاث في عملي لأنه يشير إلى الحياة اليومية. بعض هذه القطع تكاد قابلة الاستعمال، ولكنها غالباً ما تتحول إلى أشياء غريبة. نحن نتوقع عادة من الأثاث المنزلي أن يوفر دعماً وراحة للجسم. فلو تحولت هذه القطع إلى أشياء غير مستقرة، أو مصدر تهديد، فإنها تصبح دليلاً على هشاشتنا. مثال على ذلك عملي المسمى Incommunicado "منقطع" وهو عبارة عن سرير مستشفى للرضّع. وقد جُرّد السرير حتى لم يبق منه غير المعدن وحده مما يجعله بارداً وقاسياً، وبدلاً من أن تكون له قاعدة صلبة تدعم الفرشة، هناك أسلاك رفيعة تمتد متقاطعة بين أضلاع إطاره. إنه يبدو مثل قطّاعة البيض، ويقترن فوراً بحالة من الخطر والإساءة. أطلقت على العمل اسم "منقطع" كي يقترن العمل بالسجناء داخل سجن انفرادي. ولكن الرضيع هنا، أيضاً لن يسعه أن يوصل مشاعره لدى إحساسه بالألم الشديد أو الخوف.

ج.أ: إنه عمل مثير للاهتمام، فيه إحساس بالقسوة. فلدى النظر إليه والتفكير بقطّاعة البيض، فإنه يثير ردة فعل جسدية.

م.ح: عندما شرعت بتنفيذ هذه الأعمال واجهت نقداً لكوني لم أقدم مشهد رعب، وإنما توقعت من المشاهدين أن يتخيلوا بأنفسهم الكارثة الوشيكة. لقد شعرت أن قوة العمل تكمن هنا بالتحديد، وأن الطريقة التي يستحضر فيها العمل بعض الصور في ذهن المشاهد إنما هي دليل على النضج. بل إن تلميحي من خلال الشعرية البصرية للعمل، بدلاً من الطرح المباشر، يرضيني أكثر بكثير. 

ج.أ: إني لأتساءل عما إذا كان لذلك علاقة بحقيقة أن الناس يريدونك أن تؤدي الدور أمامهم، وأن تقومي بما لا يستطيعون القيام به. وأتفق بأنه من الممتع أكثر أن يعقد المشاهد صلة الوصل بينه وبين الشيء، ومن ثم يقوم بتحليل ردة فعله بدلاً من أن تظهري له هذه الصلة. 

م.ح: إني أجد العمل الذي يكشف عن نفسه وعن نواياه بوضوح عملاً مملاً جداً. فهو لقمة جاهزة توضع في فم المشاهدين، بدلاً من التعامل معهم على أنهم أذكياء يتمتعون بخيال، وبإمكانهم أن يواجهوا أي تحدي يطرحه العمل. 

ج.أ: لماذا لا نتحدث عن عملك المسمى: "جسم غريب". أولاً، كيف كانت تجربة قيامك بهذا العمل، هل كان مؤلماً؟ ثانياً، ماذا عن وضع الكاميرا كونها توغلتْ فعلاً داخل جسمك؟ 

م.ح: جرى تصوير الفيديو بمساعدة طبيب استخدم كاميرا جهاز التنظير لفحص الجزء الداخلي من الجسم. لم أشعر بأي ألم. فقد أُعطيتُ عقاراً مخدراً، لكنني بقيت محتفظة بكامل وعيي، وفي الوقت الذي كان الجهاز يصور ما في داخلي كنت أوجه التصوير بنفسي. أطلقت على العمل اسم "جسم غريب"، لأن جهاز التنظير، بمعنى من المعاني، جهاز غريب دخل من خارج جسمي. كما يدور العمل أيضاً حول مدى قربنا من أجسادنا، مع ذلك فجسمنا أرض غريبة، ومن الممكن على سبيل المثال أن تلتهمه الأمراض قبل أن ندركها بوقت طويل. كما أن "جسم غريب" يشير بالمعنى الحرفي إلى جسم شخص غريب. إنه عمل معقد. فمتابعة رحلة جهاز التنظير ساحرة ومزعجة معاً. فمن ناحية هناك جسم امرأة تنعكس صورته على الأرض ويستطيع أن يطأها الماشون. وذلك ما يحط من قدر هذا الجسم ويفككه ويجعل منه مجرد جماد. ومن ناحية أخرى إنه جسد المرأة الذي ينزع المجتمع إلى التخوف منه.


جسم غريب | 1994 | تركيب فيديو:  اسطوانة خشبية، جهاز عرض فيديو، مكبر صوت، سماعات | 350 × 300 سم

ج.أ: وهو يبتلعك أيضاً. إنك تذهبين داخل الجسم من خلال الصور ومن خلال الإنشاء أيضاً.

م.ح: تماماً. إنك تدخلين في الشكل الأسطواني وتقفين على محيط صورة الفيديو الدائرية المنعكسة على الأرض، فتشعرين بأنك على شفا هوّة تهدد بالتهامك. فالعمل يبعث على تحريك كل أشكال الخوف وعدم الاطمئنان من الرحم الملتهم، والمهبل ذي الشفرات وعقدة الخصاء. 

ج.أ: أخيراً، هل كان مهماً أن يكون جسمك أنت؟ 

م.ح: كان لا بدَّ أن يكون جسمي. 

ج.أ: إنه نوع من تقديم القربان بطريقة خارقة للعادة. وهو كشف للذات. هل تشعرين أنك مقتحمة بشكل ما؟ 

م.ح: أردت من العملُ أن يظهر الجسم وهو يُسْبَر ويُغزى ويُفكَّك من قبل عين العِلم. ولكن عندما كنا نصوّر كنت قلقة جداً بشأن حصولي على الصور المناسبة لعمل الفيديو، لذلك كنت حينها منفصلة عن الإحساس بأي من هذه المشاعر.

ج.أ: ما هو دور الحدس في عملك؟ 

م.ح: عندما ازدادت ثقتي بعملي، بدأت أسمح لنفسي الاعتماد أكثر على الحدس. وكان أحد أول وأكثر قراراتي حدساً هو عمل الفيديو الذي صورّت فيه والدتي "مقاييس البعد". لم تكن فكرة العمل واضحة في رأسي، لكنني قررت أن أمضي فيه وأن أترك القلق على النتائج إلى وقت لاحق. كنت أسير ضد تيار النقاش الأيديولوجي السائد، وأنا سعيدة جداً لإنجازه. 

ج.أ: هل يتغير العمل تغيراً جذرياً أثناء تنفيذه، أو يتم اتخاذ هذه القرارات مسبقاً؟ 

م.ح: ثمة قدر معين من هذه القرارات أتخذها مسبقاً. ولكن، كما تعرفين لكونك فنانة أيضاً، أن من المحتمل أنك عندما تبدئين العمل بالمواد، فإنها قد تسوقك إلى مكان آخر، وعلى الفنان أن يكون منفتحاً ومستعداً للتغيير لو وجد أن شيئاً ما لم يطابق التصورات الأساسية التي خططها على الورق أو في ذهنه. مثلاً، حين كنت أنفّذ عملي المسمى "منقطع"كنت، في الأساس، سأربط دبابيس مشبك بعضها بالآخر لأصنع شبكة تحل محل مسند الفراش. كنت سأطلق على العمل اسماً قريباً من "شبكة أمان". وعندما بدأت أربط الدبابيس بعضها مع بعض، لم أجد النتيجة مرضية بصرياً، ووجدت أن العمل مباشراً وبشكل مبالغ فيه. وعندما جمعت أجزاء السرير من دون الأرضية، أحببت ما فيه من إحساس بالفراغ. وبشكل ما، شعرت ان من الخطأ تفعيل ذلك الفراغ تفعيلاً كبيراً. أردته أن يكون غير ملحوظ. كنت قد أنجزت في السابق عملاً إنشائياً جعلت الأسلاك الرفيعة فيه ممدودة على امتداد مساحة قاعة العرض، وكانت الأسلاك تعترض جسم المتفرج في المساحة الرئيسية على مستوى الكاحل، وعند التوغل إلى المستوى الأخفض في القاعة تعترض الأسلاك نفسُها جسم المتفرج على مستوى الرقبة. أحببت أن أعيد العمل على ذلك الإحساس بالتهديد والتشريح للمكان وتنفيذه على شيئ أكثر احتواءً، ولكونه سرير رضيع، فسيكتسب بعداً سيكولوجياً أكبر.

ج.أ: أجد أن الأشياء التي تستخدمينها عنيدة ولكن بأفضل الطرق. فهي مستعصية، محكمة ذهنياً، وتفرض شكلها على المشاهد. إنها على ما هي عليه. وما يثير اهتمامي أكثر هو تذوقك للمعني الحرفي للأشياء، وأرغب في الحديث عن كيفية إبداعك للمعنى، وحقيقة أن المعنى موجود داخل الشيء في أعمالك وليس مضافاً إليه. 

م.ح: أريد أن يكون المعنى ضمنياً، أي بمعنى أنني أريده داخل المادة التي أستخدمها، فأنا أختار المادة بوصفها امتداداً للفكرة أو تتضادد معها في بعض الأحيان، لأوجد حالة متناقضة من الانجذاب والنفور، الإبهار والاشمئزاز. فأنا، على سبيل المثال، استخدمت عن عمد مطاطاً من السيليكون شفافاً ومفعماً بالإحساس لأنجز منه عملي المسمى Entrails Carpet "سجادة من أحشاء" قد ترغبين بالسير عليها بقدمين حافيتين. ولكن، عندما تتعرفين على التصاميم على سطح السجادة تدركين إلى أي حد تبعث على الاشمئزاز، فهي تبدو مثل أحشاء اندلقت لتملأ الأرضية كما لو كانت ناتجة عن مجزرة. فثمة نوع من الانجذاب والنفور يعملان هنا. 

ج.أ: عندما كنت أتجول في معرضك في "نيو ميوزيم"، تذكرت الفنانة إيفا هس وبعض قصائدها، وبدأت أتساءل عما إذا كان لها تأثير فيك؟

م.ح: كانت إيفا هس شخصية نموذجية جداً لدى جيلي من الفنانات. وكان لها حضور وقت شيوع الحركة الاختزالية، غير أن عملها كان عضوياً إلى حد أكبر، وكان مرتبطاً بالجسم. وقد قام أحدهم بربط عملي Socle du monde "قاعدة العالم" بسلسلة مكعبات إيفا هيس التي أسمتها Accession "الانضمام". وبحسب قوله، فعملي هو قلب لداخل هذه المكعبات التي أنجزتها مستخدمةً مواد صناعية من حديد مخرّم أدخلت في ثقوبه أنابيب مطاطية. وهكذا أوجدت هس سطحاً داخلياً مكسواً بالفراء، وبالتالي أصبحت مكعباتها ذات خارج هادئ وداخل صاخب. في الواقع، عندما أنجزت عملي "قاعدة العالم" أردت استخدام المكعب، وهو شكل اختزالي بامتياز، وأن أقلبه على رأسه، من خلال تغطيته بشيء لا يتمتع بمظهر عضوي فحسب، وإنما يكاد يبعث على الخوف لأنك لا تستطيعين التعرف مباشرة على النسيج الذي صنع منه العمل. وهذا المكعب على عكس المكعب الاختزالي والذي يُصنع آلياً بسطوح ملساء لم تمسسها يد إنسان.

ج.أ: إنه عمل مثير للاهتمام، لأنه يبدو صلباً جداً، مع أن السطح في الحقيقة ضعيف جداً، وبالطبع، ستستميت لتلمسه.

ج.أ: قبل عام ونصف العام أمضينا معا شهراً كاملاً في منطقة Sabbath Day Lake، والتي يقطنها آخر مجتمع للمجموعة الدينية "شيكر" في العالم. أقمنا مع سبعة من أفراد المجموعة في إقامة فنية سميت "السكينة في الأرض". هناك تعارَفنا حقَّ المعرفة. كيف أثّرت تجربة العيش مع تلك المجموعة وفلسفتهم في عملك؟

م.ح: كان إحساساً أشبه بالجو العائلي يحوم في مجتمع "شيكر" الذين أحيوا فيّ احتياجات منسية. لقد احتضنونا كما لو كنا أهلهم، وأعتقد أنه موقف جريء، لأنه من غير المعلوم كيف يتصرف الفنانون. كان هناك شعور جميل بالاستقرار والحياة المنزلية الدافئة، على النقيض تماماً من حياتي الترحالية. فالعمل الذي أنجزته هناك جاء امتداداً طبيعياً وانتهى به الأمر لأن تكون مرجعيته أدوات المطبخ والحياة المنزلية التي نحنّ إليها. لقد أتاحت لي حالتي تلك فرصة استخدام وسائل حرفية بسيطة، ربما إلى حد إعادة الاتصال بالجانب الرقيق من ذاتي. أردت العمل بيديّ بدلاً من التصور الذهني المستمر للعمل قبل تنفيذه. لمجموعة "شيكر" قولٌ مفاده: "أيديكم للعمل"، وهو شيء جميل، فهذا النوع من التركيز على الصناعة طوال الوقت، والانشغال الدائم، كان تجربة رائعة وموقظة.

ج.أ: الجزء الثاني من ذلك القول هو: "أيديكم للعمل، قلوبكم لله".

م.ح: آه، لقد نسيت هذا الجزء.

ج.أ: ماذا كان شعورك وأنت داخل هذه الأجواء الروحية التي كانت بؤرة تركيز الانتاج؟

م.ح. على الرغم من أن الروحانية كانت بؤرة التركيز، فإنها لم تأخذ شكلاً وعظياً بأي شكل من الأشكال. فهذا المجتمع نموذج حقيقي للجماعات الروحية التي تختبر روحانيتها من خلال سلوكها اليومي المعتاد، بدلاً من عقيدة أو وعظ. فهم يظهرون عقيدتهم من خلال أفعالهم لا من خلال أقوالهم.

ج.أ: لم تُفرض هذه الروحانية علينا أبداً.

م.ح: نعم، أنا ضد العقيدة المنظمة، وذلك لا يعني أنني لست روحانية. لم أبدأ بتقييم الجانب الروحي في إلا بعد إقامتي في الغرب. تمسكت بالجانب الروحي في وقت من الأوقات، وتوغلت في التأمل من أجل أن أعوّض ما يحيط بي من فقر روحي.

 

 

انظر أيضاً:

> منى حاطوم
- في البيت وبعيدا عنه السريالية الغريبة في أعمال منى حاطوم بقلم الكساندر اولين
- مقابلة مع منى حاطوم أجرتها جانين انتوني
- فن الانزياح: منطق منى حاطوم في جمع المتناقضات بقلم إدوارد سعيد
-
حالات الكينونة في فن منى حاطوم بقلم سلوى مقدادي

press clips
summer academy
currently on
workshops