English Version <

 

 

فن الإنزياح: منطق منى حاطوم في جمع المتناقضات
بقلم:
إدوارد سعيد
ترجمة: فخري صالح

فكر في الموضع الذي تحتله أكرة الباب وأنت واقف قبالة مدخل الغرفة. أنت تعلم أنك إذ تقترب فسوف تتحرك يدك بتلقائية إلى جهة أو أخرى من الباب. لكنك لن تعثر على أكرة الباب، ولن تضم أصابعك حولها، ولن تدفعها لينفتح.. لأنها ببساطة موضوعة على مسافة قدمين أعلى رأسك في منتصف الباب. وهي مثبتة بعناد، هناك في الأعلى حيث يمكنها أن تتملّص من قبضتك المستعِدَّة، فلا تؤدي وظيفتها الطبيعية، ولا تعلن عن سبب وجودها هناك. انطلاقاً من هذا الانزياح، فإن انزياحاً وراء آخر يتبع وجوباً. قد ينفتح الباب فقط من مفصل واحد من مفاصله. عليك أن تدخل الغرفة إذاً بصورة جانبية مُحْدثاً زاوية بجسدك، لكن بعد أن يتمزق معطفكَ أو تنورتكِ بمسمار صُمم خصيصاً لإحداث ذلك كلما حاول أحد دخول الغرفة. في الداخل، سوف تفاجأ ببساط ذي انحناءات متموجة، وإن أمعنت النظر سترى أنه من أحشاء تجمدت على هيئة طبيعة بلاستيكية صامتة.

المطبخ إلى يمينك مسدود بأسلاك فولاذية صغيرة مشدودة عرضِيَّاً عبر الباب، مانعة الدخول. وإذ تحدق عبر الأسلاك ترى طاولة وقد تناثرت فوقها مصافي طعام، وملاعق معدنية كبيرة، ومجارش، ومناخل، وعصارات، وخفاقات بيض، مربوطة إلى بعضها بعضاً بسلك ينتهي بمصباح كهربائي يئز ويرتعش ضوؤه منطفئاً تارة ومشتعلاً أخرى على فترات متقطعة وبشكل مضطرب.

في الزاوية اليسرى، سرير بلا فراش فوقه، أرجله لا تعمل في كتلة ذابلة ومشوّهة من مطاط. آثار خطوط غامضة من مسحوق أبيض تشكل نمطاً متماثلاً غريباً على الأرضية تحت الزنبركات المعدنية العارية لمهد طفل بجانب السرير. جهاز التلفزيون يُصدر أصواتاً متداخلة مختلطة، فيما تبث كاميرا، بلا انقطاع، صوراً متحركة لأحشاء شخص مجهول. كل هذا مصمم كي يذكّرنا ويسبب لنا الاضطراب والإزعاج في الوقت نفسه.

بصرف النظر عن طبيعة هذه الغرفة، فهي ليست مصممة، بالتأكيد، ليعيش المرء فيها، رغم أنها تبدو، وعلى نحو مقصود، مصرّةً -وبشكل ربما منحرف- أنها كانت مصمَّمة، في وقت ما، لذلك الغرض: بيت، أو مكان حيث كان من الممكن للمرء أن يشعر بانسجام معه، مطمئناً ومرتاحاً، محاطاً بالأشياء العادية التي تؤدي جميعها إلى الشعور -إن لم يكن بالوضع الحقيقي- بالانتماء. في الغرفة المجاورة باستطاعتنا أن نعثر على شبكة ضخمة من أسرّة معدنية تتكرر بشكل مشوّه لتطرد فكرة الراحة، دع عنك النوم نفسه. في غرفة أخرى تنغلق فكرة التخزين بسبب ما يوحي بكونه خزائن فارغة منغلقة على نفسها، من خلال شبكة من الأسلاك، متوهجة بإضاءة مصابيح عارية.

ي عالم منى حاطوم الفني لم يعد المكان الثابت الدائم ممكناً، فهذا الفن مثله مثل الغرف الغريبة المواربة التي تجعلنا حاطوم ندلف إليها، يعمل على جلاء تشتت أساسي، لا لكي ينقضّ على الذكرى التي يحملها المرء لما كان موجوداً يوماً ما فقط، بل لكي يوضح لنا كم هو منطقي وممكن، كم هو قريب وبعيد في الآن نفسه، ذلك التكوين الدقيق والمحكم للفضاء والأشياء الأليفة، عن المقام الأصلي. الألفة والغرابة هنا مشتبكتان معاً بأكثر الطرق غرابة، فهما متاخمتان لبعضهما بعضاً ويصعب حل التناقض بينهما في الوقت نفسه. يشعر المرء لا أنه لا يستطيع العودة إلى ما كانت عليه الأشياء فيما مضى فحسب، بل يحسُّ أيضاً كم أن هذه الأشياء المشوّهة بطريقة غريبة أصبحت مقبولة و"طبيعية"، وفقط لكونها ظلت قريبة مما غادرته وتركته وراءها. فالأسرّة ما تزال تبدو شبيهة بالأسرّة، على سبيل المثال، والمقعد المتحرك يشبه بالتأكيد المقعد المتحرك الذي نعرفه: الفرق هو أن زنبركات السرير عارية بشكل يجعل من المستحيل استخدامه، أو أن المقعد المتحرك منحنٍ إلى الأمام وكأنه سينقلب في الوقت الذي تحول فيه مقبضاه إما إلى زوج من السكاكين الحادة أو إلى حواف مسننة لا تشجع على الاقتراب منها. ومن ثم فإن الحياة المنزلية تتحوّل إلى سلسلة من الأشياء الخطرة المهدِّدَة غير المرَحِّبَة بصورة جذرية التي يحتاج استعمالها الجديد، المفترض أنه غير منزلي، إلى تحديد وتعريف. إنها أشياء لا يمكن تخليصها، فيها تشوهات يصعب استرجاعها من أجل إصلاحها وإعادة العمل عليها، لأن العنوان القديم ما يزال موجوداً ولكن لا يمكن الوصول إليه، وقد جرى إعدامه في الوقت نفسه.

ينطوي هذا المأزق الاستثنائي، كما أظن، على الفرق بين جوناثان سويفت، وتي. إس. إليوت. حيث إن الأول هو الكاتب الغاضب العظيم الذي عمل على صياغة المنطق الخاص بالتفكك والانزياح البسيط الذي لا تريحه روح العمل الصالح. فيما الأخير هو الراثي البليغ لما كان ولما يمكن استعادته من خلال الصلاة والطقس. تنطلق رؤية كلّ من الكاتبين من البيت بثبات، وبصورة لا تخطئها العين: حيث ينطلق ليمويل غوليفر، الشخصية المهمة الأخيرة التي ابتدعها سويفت، من إنجلترا؛ فيما يشق الراوي في قصيدة إليوت "إيست كوكر" طريقه من البيت بوصفه المكان "الذي يبدأ المرء منه". بالنسبة لغوليفر فإن حركة الزمان تبلغ أوجها في تحطم سفينته، إذ ينتهي به الأمر على الشاطئ، مربوطاً بحبال رفيعة مثبتة على شعره وجسمه، وموثقاً إلى الأرض، يحيط به أقزام لا يزيد طول الواحد منهم على ستة إنشات، وقد كان بإمكانه أن يمسحهم عن الأرض بقوته الأعظم لكنه لا يستطيع، لأنه: أولاً: لا يقدر على الحركة. وثانياً: لأن سهامهم الصغيرة قادرة على فقء عينيه. ومن هنا يعيش بينهم بوصفه رجلاً عادياً مثلهم، عدا عن كونه كبيراً جداً، وهم صغار جداً، وهو لا يستطيع التعايش معهم، كما إنهم غير قادرين على ذلك.

وبعد ثلاث رحلات غير مريحة تالية لتلك الرحلة يكتشف غوليفر أن بشريته غير قابلة للتجدد، وأن لا حل لتناقضها مع اللباقة والمناقبية الأخلاقية؛ بل إنه يكتشف أنه غير قادر على العودة إلى ما كان عليه في وقت ما وطنه، مع أنه يعود إلى إنجلترا ويغمى عليه عندما يشم رائحة زوجته وأطفاله الفظيعة حين يعانقونه. بالمقابل، فإن إليوت يعرض بيتاً قابلاً تماماً للاستعادة بعد أن تبخر البيت الأول وانتهى. وهو في البداية يقول: "المساكن تقوم وتتهاوى، تتهدم، تتوسع، تُزال، تُدمر". لكن بعد ذلك، يمكن إعادتها "لاتحاد أبعد، اجتماع أعمق/ في البرد المظلم والخراب الفارغ". إن الحزن والفقدان حقيقيان، لكن قداسة البيت تبقى مقيمة تحت السطح، مكاناً يرقى إليه المرء بالحب والصلاة. في "ليتل غيدينغ"، وهي الجزء الأخير من مرثية "الرباعيات الأربع" (أما "إيست كوكر" فهي الجزء الثاني)، يستعير إليوت من "ديم جوليان من نورويتش" سطراً شعرياً هو: "كل ضروب الأشياء ستعود إلى سابق عهدها"، لكي يشدد على أنه بعد كل الحزن والخراب، فإن الحب والتجسد سيعيدنا إلى الإحساس "بالتناغم والانسجام الكاملين يرقصان معا يداً بيد"، وهي رؤية ترينا كيف أن "النار والوردة شيء واحد".

بالمقارنة مع إليوت، فإن تجديف سويفت أمر لا شفاء منه، تماماً كما أن تفكك إحساس غوليفر بالراحة في البيت يستحيل استعادته بشكل كلّي ويستحيل إرجاعه كما كان. العزاء الوحيد -إذا كان هذا بالفعل عزاء- هو قدرة غوليفر، التي ما يزال يمتلكها، على تفصيلٍ وتعدادٍ وتسجيلٍ وسواسيٍّ لما يحفظ في عقله وهو في وطنه السابق. لقد أطلق هيبوليت تين على سويفت لقب "رجل الأعمال العظيم في عالم الأدب"؛ رجل يمكنه ترتيب الأشياء بحرص على رف، في مكان، في كتاب أو صورة، مهما كانت تلك الأشياء غريبة ومشوهة. في مجموعة أعمال منى حاطوم المُصَمَّمَة من أشياء ساخطة، ومشتتة، ومشوهة بصورة غريبة، ثمة إحساس شبيه بالتركيز على ما هناك دون كبير التفاتة إلى الرغبة في تخليص الشيء من غرابته، بل وأكثر أهمية من ذلك، دون محاولة محي أو نفض ذكرى إلى أي حد كان ذلك الشيء جميلاً من قبل. على النقيض من هذا، فإن الجمال الجوهري للشيء -ولنذكر البساط المصنوع من الدبابيس، أو قطع الصابون المجتمعة معاً لتشكل سطحاً متصلاً مرسوماً عليه خريطة بخرز زجاجي أحمر- يبدو ناتئاً بوصفه جزءاً عنيداً من ذلك الانزياح. ثمة معيار استخدام مفترض تجري استعادته بصورة خفية في هذا الترتيب الجديد، لكن دون الإعلان عن أي تعليمات، أو توجيهات للاستعمال: الذاكرة تصرّ على الدوام أن هذه الأشياء كانت معروفة لدينا، لكنها، بشكل ما، لم تعد كذلك، رغم أن الذاكرة ما تزال تتشبث بها بصورة لا تلين. لا شيء ينتمي إلى نظام إليوت المقدس هنا. هذا كون علماني، غير معفي وغير رحيم بشكل يثير الاهتمام؛ عالم ثابت ومتواضع. تُنَقّب شيئية الشيء دون مفتاح يساعدنا في الفهم وفتح ما هو مغلق هناك.

لا عجب إذاً أن يكون "ليلي (الزمي) مكانك" عنواناً شديد الذكاء لأحد أعمال منى حاطوم.

يمثل عمل منى حاطوم التعريف بالهوية على أنها لا تقدر التعرّفَ على نفسها، لكنها رغم ذلك تتمسك بمفهوم الهوية -ربما شبحها فقط- بنفسها. هكذا يجري تشكيل المنفى ورسم حدوده في الأشياء التي تعمل على ابتداعها. إن عمل حاطوم يمثل مفارقة السلب وهي تتموضع في العالم، وتقف بثبات في فضاء اليومي معروضة أمام عيون الناظرين ليروا وينجوا، بطريقة ما، من ما يتلألأ أمامهم. لا أحد استطاع أن يجسد التجربة الفلسطينية بصرياً بهذه الصرامة، وبهذا القدر من اللعب في الآن نفسه، بهذه القوة وفي اللحظة نفسها بهذه الطريقة الضمنية، مثل منى حاطوم. إن أعمالها التركيبية وأشياءها وأداءاتها، تفرض نفسها على وعي المشاهد بقدرة بارعة ذاتية التأثير مثيرة للفضول يتم تقويضها بشكل مُستَفزّ، ويقارب محوها، ويتم تجريدها من خلال المواد المحلية الرتيبة المضجرة وغير اللافتة التي توظفها ببراعة فنية فائقة (الشَّعر، الفولاذ، الصابون، "القُلُول"، المطاط، الأسلاك، الخيطان.. إلخ). في عصر آخر كان من الممكن أن يُصنع عملها من الفضة أو الرخام، وأن يأخذ موضع الأطلال السامية، أو البقايا الثمينة التي توضع أمامنا لتذكرنا بحتمية الموت، وبهشاشة الإنسانية التي نتشارك فيها فيما بيننا. ففي عصر المهجَّرين، والحصار والقيود المفروضة، وبطاقات الهوية، في عصر اللاجئين، والمنفيين، والمذابح، والخيام والمدنيين الهاربين، فإن أعمال حاطوم أدوات عادية لا يمكن تطويعها، خاصة بذاكرة تتحدى، وبعنادٍ لا يلين، نفسَها وملاحقتَها أو اضطهادَها للآخرين، وقد اخترقتها، وللأبد، تغييرات في المواد والأشياء اليومية التي لا تسمح بأي رجوع أو عودة إلى الوطن، ولا تقبل في الوقت نفسه بإفلات الماضي الذي تحمله معها كنكبة صامتة تواصل استمرارها من دون ضجيج أو صخب بلاغي.

من الصعب تحمل فن منى حاطوم (مثله مثل عالم اللاجئين المحتشد بالهياكل المريعة التي تنم عن الإفراط والندرة في الوقت نفسه)، لكن من الضروري مشاهدته بوصفه فناً يحاكي بصورة ساخرة فكرة الوطن المفرد. إن التفاوت والانزياح أفضل من المصالحة في إطار إكراه الموضوع والشيء؛ والمنفى الواضح الجليّ أفضل من العودة، على محمل العواطف الفائضة، إلى الوطن؛ ومنطق الانفصال أفضل من الإبقاء على وحدة غبية مطواعة. إن ذكاء عنيداً مشاكساً يجري تفضيله على ما يقدمه الانسجامُ والانصياع، مهما كانت الظروف غير مواتية والنتيجة غير محببة. ما أقصد قوله هنا هو أنه من المستحيل نهائياً استعادة الماضي من القوة الهائلة المرتبة ضدّه على الطرف الآخر: إن بالإمكان فقط إعادة موضعته على هيئة شيء دون اقتراح نتيجة، أو مكان نهائي، شيء جرى تحويله عبر الاختيار والجهد الواعي، إلى شيء مختلف، وعادي، وذات وآخر يحدثان معاً وفي الآن نفسه: إنه شيء لا يوفر إذن لا الراحة ولا التأجيل أو الإمهال.

 

 

انظر أيضاً:

> منى حاطوم
-  في البيت وبعيدا عنه السريالية الغريبة في أعمال منى حاطوم بقلم الكساندر اولين
-  مقابلة  مع منى حاطوم أجرتها جانين انتوني
-  فن الانزياح: منطق منى حاطوم في جمع المتناقضات بقلم إدوارد سعيد
-
 حالات الكينونة في فن منى حاطوم بقلم سلوى مقدادي

press clips
summer academy
currently on
workshops