English Version <

 

مصباح | 2006 | مصباح نحاسي، سلسلة معدنية، مصباح كهربائي، نحرك كهربائي دوّار | 60 35 31 سم

حالات الكينونة في فن منى حاطوم 

سلوى مقدادي 

لعل النفس البشرية غير القابلة للتجزيء قضية مركزية في أعمال منى حاطوم، فهي توضحها بدقة واقتصاد في المواد والشكل، وتلك صفات كل من الفن الاختزالي minimalism والفن الذهني التصوري conceptual. تتغلغل في معارضها حالة من التوتر الناجم عن التجارب الانفعالية المتعارضة: الرغبة والنفور، الأمن والخوف، الضمانة والتهديد، وهي بهذا تخلق حالات من الكينونة يكون فيها المشاهد مشتركاً ومواجهاً لتحديها. 

يتميز أسلوب حاطوم بالتبصر الظاهراتي الذي ينقل في وقت واحد مشاعر الحالة السوية المدركة وما يحيط بها من خطر وشيك، الأمر الذي يجعل الحالة النفسية للمشاهد في تقلب متواصل. نتيجة  لذلك تزداد حواس المشاهد توتراً، وفي حالة من عدم الاستقرار، في الوقت الذي ينجذب فيه إلى حضورها المادي. عندما  يدخل المرء عالم حاطوم، يصبح الخروج منه مستحيلاً. ضمن هذه الحالة المتوترة، يتوجب على المرء لمساءلة حقيقة الوضع الإنساني ضمن السياق الشخصي فضلاً عن السياق السياسي والاجتماعي الراهن. إن ما يعبر عن إستراتيجية حاطوم تعبيراً واضحاً قول الفنان الإيطالي (الكونسيبتوالي) بييرو مانزوني: القضية..(لدى الفنان) تتعلق بتغلغله الواعي في ذاته، فمن خلال هذا التغلغل، وبعد أن يتجاوز المستوى الشخصي والطارئ، يكون قادراً على سبر غور الأعماق إلى أبعد حد للإمساك بالجرثومة الحية للبشرية برمتها. 

يكاد يكون الفن الإنشائي، واستخدام المواد المختلطة، جديداً على العالم العربي نظراً للغياب شبه الكامل للخطاب النظري لما بعد الحداثة في مناهج تدريس الفنون. لذلك يأتي معرض منى حاطوم مناقضاً كل التناقض مع معظم ما يقام في المنطقة من معارض يهيمن فيها العمل الفني على المشاهد بما فيه من حكاية، وحيث تكون التجربة جمالية بدلاً من كونها اختبارية. في هذا المعرض الشخصي في دارة الفنون، والذي جاء متأخراً عن موعده، تستخدم حاطوم وسائل تعبير على نطاق واسع من ضمنها الأعمال الإنشائية والنحت وفن الفيديو والفن الأدائي، للخوض في موضوعات مثل الجسد والجنوسة والبيت والمنفى والهوية وبنى السلطة والسيطرة والحياة والموت. تعتمد أعمالها على المواد ذات الصفات الزائلة، وهي غالباً ما تكون مستمدة من الثقافة المحلية، من أجل إنتاج أعمال تحرّف من خلالها الوظيفة المألوفة للشيء داخل فضاء المعرض وموقعه. 

تتجلى هذه الإستراتيجية بوضوح في عملها الإنشائي بعنوان  Misbah "مصباح" (7 -2006)، وهو من الأعمال المتحركة المعروضة في دارة الفنون. و "مصباح" عمل أنتج عام 2006 ليعرض في قاعة تاون هول في القاهرة. يتألف العمل من مصباح نحاسي يدور دوراناً متواصلاً، وقد حفرت فوقه أشكالا تمثل جنوداً ونجمات ثمانية الرؤوس. لدى الدخول إلى المكان، تنجذب عين المشاهد إلى ضياء خافت وساحر في الغرفة المعتمة. فالمصباح الدائر يلقى على جدران الغرفة وسقفها بظلال الجنود وهم يلوحون ببنادقهم، يطارد بعضهم البعض الآخر في دوران مستمر يغمر المشاهد بحركته المشوّشة. 

في البداية، يثير هذا العمل الإنشائي شعوراً بطفولة سعيدة فيها تذكّر بمصابيح رمضان الشعبية، غير أن مجموعة جنود تجتاح النظر على نحو باتر، في استعارة ترمز إلى البراءة المفقودة والطفولة التي يعترض طريقها العنف والصراع. وبغض النظر عن المكان الذي يقف فيه المشاهد، يصبح جسمه المحور المركزي لهذه الحركة السماوية التي توقظ في الذاكرة صفاء الرقص الصوفي أو المندالي، وهو صفاء غيّبته الظلال المتعددة للجنود الذين يرمز دورانهم المتواصل إلى عبثية الحرب. 

في سياق الأردن، البلد الذي يتفاخر باستقراره السياسي في وسط منطقة محاصرة بالحروب والمعاناة البشرية، يزعزع هذا المصباح  استقرار الوضع الراهن بما يحمله من تهديد لأمن وراحة الدولة المحايدة التي توفر الحماية من العنف. مما يزيد حدة هذه المواجهة القلقة مع عمل حاطوم، من خلال الأمكنة المحددة في فضاءات دارة الفنون. فقد وضعت الأعمال داخل الدار المرممة التي يعود تاريخ بنائها إلى عشرينيات القرن العشرين، محاطة بجدرانها الحجرية السميكة التي تكتم ضوضاء المدينة، وتحافظ على برودة داخلية يتميز بها طابع الأمكنة الهادئة والمحصنة للعمارة الإسلامية. فجو المبنى الرائق والباعث على التأمل إذًا يتناقض مع المشاعر التي يثيرها العمل الإنشائي. 

في فن حاطوم غالباً ما يتكرر في الأعمال الجديدة ظهور أشياء وموضوعات سابقة. مثال على ذلك تردد استخدام الدمى الجنود في أعمال مختلفة للفنانة على مدى أربعة وعشرين عاماً. وهو ليس بالأمر المفاجئ إذا ما أخذنا بالاعتبار عدد الحروب التي كانت الفنانة شاهداً عليها خلال حياتها. في عملها المسمى Over my dead body "على جثتي" (1988) تظهر صورة فوتوغرافية جانبية لوجه الفنانة، وعلى أنفها دمية جندي في وقفة محفوفة بالخطر. وإلى جانب الصورة يظهر عنوان العمل مكتوباً بحروف كبيرة. يتفاعل التعبير الثائر لوجه حاطوم مع الحجم المصغّر للجندي الدمية من أجل تقليص ونقل السلطة التقليدية لهيئة الجندي. باستخدامها روح المرح كإستراتيجية، توضح حاطوم هموماً سياسية وأنثوية عندما ترفض بتحدٍّ صورة الغرب النمطية عن خضوع المرأة العربية المسلمة التي ما يزال جسدها موضع نظرة المستشرقين، كما كان، في وقت لاحق جداً، أحد الأسباب التي سوّغت شنّ حرب على العراق وأفغانستان من أجل التحرير. 

لقد أصبح عمل حاطوم فوق جثتي، والذي أبدعته ليكون في البداية إعلاناً، واحداً من أيقوناتها. ففي هذا العمل، وعلى النقيض من أعمال أخرى تكون فيها ذاتية المشاهد هي العامل الوسط، غدا جسد الفنانة موضع مقاومة السلطة الأبوية وسيطرتها.  Roadworks "أعمال طرق" (1985) مثال مشابه آخر. ومثل ما يركز عملها "على جثتي" على الصورة الجانبية لحاطوم، فإنها تظهر في  أعمال الطريق صورة مضخّمة لقدميها العاريتين. في كلا العملين يستعرض التجزيء المرئي للجسد ما وصفته أميليا جونز مؤرخة الفن، مبينة كيف أن: "الفنانين، مع الانتقال إلى القرن الحادي والألفين، قدموا أو أنتجوا صورا غير كاملة للجسد من أجل التغلب على طاقة التصوير في التعامل مع الموت، واستكشاف رغبتنا في عمل ومشاهدة الصور بوصفها وسيلة لإنتاج أو طرح أجساد بديلة." 

يُشاهد موضوع الحرب مرة أخرى في ثلاثة من الأعمال المشاركة في هذا المعرض. Round and round "حلقة مفرغة" (2007) عمل يتألف من دمى في هيئة جنود بالبرونز ينتظمون في دائرة فوق منضدة برونزية شبيه بمنضدة قهوة جانبية. في العمل إشارة إلى عبثية الحرب ولاجداوها، استكمالاً لموضوع عملها "مصباح"، الذي ورد وصفه سابقاً، بالإضافة إلى عملين آخرين هما Untitled (cut-out 1)  "بلا عنوان (قصاصات 1)" 2005، و Untitled (cut-out 2) "بلا عنوان (قصاصات 2)" 2005. وكلا العمليين الأخيرين مستوحيان من الأعلام المكسيكية المصنوعة من ورق شفاف مزخرف، كانت الفنانة قد شاهدته خلال إقامتها في المكسيك قبل بضع سنوات . تظهر الخطوط الخارجية للجنود في كلا العملين وهم يواجهون بعضهم البعض الآخر في حالة قتال، تحيط بهم نجوم ثمانية الرؤوس تبدو وكأنها انفجارات، مما يحوّل هذه الأعلام الاحتفالية إلى رسالة تذكير بعجلة الموت الضارية للحرب. 


حلقة مفرغة  |  2007 |  برونز | 61 33 33 سم


بلا عنوان (قصاصات 1) و بلا عنوان (قصاصات 2)  |  2005 |  ورق خفيف | (2)   38.1 44.5 2.8 سم

تتجلى قضايا النزاع في أعمال إنشائية مركبة أخرى داخل هذا المعرض، منها ذلك العمل المؤلف من سلاح تقليدي: رمانة يدوية. تُظهر حاطوم في عملها Nature morte aux grenades "طبيعة صامتة قنابل رمان" (2008) الالتحام البارع بين المادة والمضمون. لدى النظرة الأولى، تبدو القطع البلورية (الكريستال) الإيطالية الصنع، شبيهة بتشكيلة منتقاة من الحلوى المراوغة المغرية. بالتمحيص القريب فقط، يدرك المشاهد الشبه المرئي القوي بين قطع الحلوى هذه والرمانة اليدوية. لقد قدّمت الفنانة هنا نسخة من عملها Life Still "طبيعة صامتة" (2008) ممثلة بقطع من الخزف أُنتجت خصيصا لهذا المعرض بالتعاون مع قرية الأعمال الحرفية في عراق الأمير بالأردن. يتألف مشغل الخزف التابع للقرية من مجموعة نساء ينتجون قطعا مستنسخة عن أوان صغيرة وقطع فنية أثرية يعود تاريخها إلى العصور الهيلينية والبيزنطية، تلك التي تم الكشف عنها في المواقع الأثرية المجاورة. وقد صيغت هذه الأشكال الملونة في قوالب رمانة يدوية بأنماط مختلفة، كالأشياء المتعارف على كونها رمانة، مثل الكرة، والبيضة، والليمونة والأناناس. وهي إذ تتخفى في هيئة شيء رقيق تزييني، فإن الرمان يقلب التداعيات المرتبطة بالحرب والموت. ويمثل العنوان الذي اختارته حاطوم لهذا العمل تحويراً ذكيّاً ثانياً- - للتراث الهولندي لأعمال الطبيعة الصامتة المسمى طبيعة جامدة والتي تخاطب الفناء. 


طبيعة صامتة  |  2008 |  خزف، خشب | 83.5 200 100 سم

التحكّم بطرق العمل

في شارع من شوارع بريكستون في لندن، رأيت، ولأول مرة، عملاً لحاطوم. كنت أجر بيدي ثلاثة أطفال صغار مربوطين بسلسلة، محاولة أن أشق طريقي بين زحام شارع مجاور لسوق مفتوح في منطقة أغلب سكانها أفارقة كاريببين من ذوي الدخل الضعيف. كانت حاطوم تعمل حافية القدمين وتجر فردتي جزمة، علامة (دوك مارتن) مربوطتين بكاحليها. كان ذلك هو عملها الأدائي الموسوم "أعمال طرق" (1985) (العمل موجود في المعرض موثق في فيديو). في أداء حاطوم هذا تحولت الجزمتان إلى تابعين بدلا من كونهما قائدين، وهو ما يخالف طبيعة السلطة التي تكون الجزمة بموجب التقاليد رمزاً لها. فضلاً عن ذلك فقد ساءلت الجزمتان الفارغتان بنية سلطة التمييز العرقي من خلال ربطهما بمجموعات من أمثال الجبهة الشمالية. لم أكن حينذاك على وعي بما تضمن العمل من إشارة إلى هياج منطقة بريكستون الذي أججه الحضور المتزايد للشرطة في المنطقة. بوصفي عربية أمريكية مقيمة في كاليفورنيا، ربطت الفن الأدائي بموضوع الجنوسة (جندر) والهوية وقضايا التمييز العنصري، كما تجلت في أعمال كل من جودي شيكاغو وليزلي لابويتز وسوزان لاسي وغيرهن من الفنانات. وجدت في عمل حاطوم واحدة من المحاولات الأولى لفنانة عربية تتجاوب فيها مع قضية ذات طابع محلي لا تمت بصلة مباشرة إلى الثقافة العربية. فقد خاطب العمل بدلا من ذلك السياسات المحلية لوطنها المتبنى، في حين أن له أيضاً انعكاسات واضحة عن بنية السلطة السياسية الكولونيالية وما بعدها في العالم العربي.

في قلب أعمال منى حاطوم تكمن موضوعات مثل قوى التحكم والعبودية والاضطهاد. عندما قدمت حاطوم إلى لندن في عام 1975 أدركت الانتشار الكبير لكاميرات المراقبة في الأماكن العامة. وقد ظهرت أولى أعمالها الأدائية التي استكشفت من خلالها غزو الأخ الكبير للأمكنة الخاصة والعامة، كما طرحه جورج أورول، في:  Don't smile you're on camera! "لا تبتسم إنك أمام الكاميرا!" (1980)، و Look no body!  "انظر لا أحد!" (1981). واليوم، مع تزايد المراقبة على جميع الأصعدة في حياتنا، أصبحنا أكثر وعياً بأشكالها المتخفية، وبوسعنا أن نقدر ملاحظات حاطوم المبكرة لنتائجها المهدِدة.

من المضامين التي تسري في ثنايا عدد من أعمال حاطوم، تلك العلاقة المتوترة بين الفرد والسلطة/المؤسسة، كما هو الحال في روايات الأديب السعودي الجنسية والأردني المنشأ عبد الرحمن منيف، وهو واحد من أبرز الكتاب العرب في القرن العشرين. يصور منيف في خماسيته المسماة مدن الملح حالات التحول لثقافة البدو في مملكة متخيلة. هناك وصف للفهم الذي استولى على البلاد في السنوات الأولى التي أعقبت اكتشاف النفط. تطرح رواية منيف الملحمية صورة قاسية لولادة نظام متسلط، أو دولة بوليسية تدعمها شركات نفطية أجنبية وثقافة استعبادية مهيمنة وقمعية إلى الحد الذي يقول عنه منيف: "بالإمكان سماع صوت النمل وهو يزحف في الظلام."  والسجن، سواء أكان حقيقياً أم مجازياً، من المضامين التي تتكرر في رواياته، فهو يصف حالات الحرب والعنف والوقوع في الشرك كنتيجة طبيعية لانعدام الحريات عامة، والحريات الشخصية وحق الشخص في تقرير مصيره . وكذلك نجد أن مضامين التحكم والسجن متغلغلة في شبكة أعمال حاطوم.

قوة الشبكة

بادرت حاطوم، مع نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، إلى تقديم مجموعة أعمال اعتمدت في البداية على استخدام شبكة المشواة، لتنتقل بعد ذلك إلى شبكة القضبان المتقاطعة. هذه الأشكال الجاهزة أجبرت المشاهدين على الانشغال بشيء تحث مادته على الخوض بتجربة جسدية وحسية. في عملها المسمى The Light at the End "الضوء في النهاية" (1989)، رتّبت حاطوم ستة قضبان تسخين حديدية في مشواة. وعلى الرغم من أن العمل يذكرنا بالتنسيق العمودي لمصابيح النيون لدى دان فلافن، فإن حاطوم تغشي عملها الإنشائي هذا باستعارة مكانية إضافية: وهي زنزانة السجن. من بعيد، يبدو اللون البرتقالي للأجزاء فاتناً فتنة ساحرة تجذب المشاهد ولكن لتبعده لدى الاقتراب لشدة ما يعكسه من حرارة مهددة. كما أن المشاهد غير واثق عما إذا كانت هذه القضبان قد صنعت للحماية أو للوقوع في شركها. بهذه الطريقة تستنطق حاطوم لغة الأسلوب الاختزالي (المينيمالي) عندما تضفي على العمل طابعاً سياسياً اجتماعياً.

في عملها المسمى Grater Divide "انقسام أكبر" (2002)، تخضع الشبكة، كونها وسيلة من وسائل التحكم، إلى اختبار آخر. فقد حولت الفنانة في هذا العمل مبشرة جبن ثلاثية الأجزاء من الطراز الفيكتوري إلى حجم يضاهي حجم الإنسان. ثانية، تتحول الحياة المنزلية من مسافة بعيدة، إلى توعد يقترب تهديده. فالثقوب المسننة المتوعدة للمبشرة تشبه جهاز الكاميرا الذي يلاحق المشاهد في كل تحركاته. وبهذا الشكل تصبح تصاميم المبشرة الدقيقة والصارمة سجناً عقلياً وجسمياً للمشاهد: وليس ثمة نقطة مركزية للنفاذ. فنسقها المتتابع يهيمن على الجسم والعقل. يصف ديزا فيليبي تكرار الشبكة المتقاطعة  للمبشرة بكونها تعبّر عن إجبار غير طوعي يتعلق بالموت في نظريات علم النفس الفرويدي، حيث يكون التكرار: "علامة تدل على انعدام السيطرة وتقرير المصير." ثمة إحساس بالقيود المنزلية يشيع في عدد من أعمال حاطوم كما يظهر في عملها "انقسام أكبر" وستارتها الشبيهة بالمشربية أو السور السلكي المحيط بأشياء عائلية، كما في عملها حدود البيت، وهو ما تشير إليه الأديبة والسينمائية الجزائرية آسيا جبار في روايتها "نساء الجزائر في حجراتهن." فجبّار تستخدم الأسلاك استخداما مجازيا للتعبير عن وضع المرأة إزاء منحها حقها في السلطة عقب استقلال الجزائر، وتقول: "لم تعد الحواجز السلكية عائقا أمام الدروب، فهي الآن تزيّن النوافذ والشرفات، وكل ما ينفتح إطلاقاً على الفضاء الخارجي .."

في العمل الإنشائي المسمى Light Sentence "حكم مخفف" (1992)، تتضاعف المبالغة المزعجة في طرح المفردات المادية للمطبخ. يظهر في هذا العمل صفان من خزائن سلكية متداخلة الألوان مكدسة ومتصلة بشكل حرف U، لتكوين شبكة تمتد نازلة إلى مركز غرفة واسعة وطويلة ترتفع فوق المشاهد. في نهاية واحد من الأسلاك مصباح مجرد مرتبط بمحرك يدفعه إلى الأعلى والأسفل، فتنعكس ظلال الخزانات على الجدران والسقف والأرض.  تخلق حركة المصباح ظلالاً تتموج على الجدران شبيهة بشبكة من قماش مخرّم، فتزعزع استقرار الغرفة في ماديتها وأمنها من خلال حركة تحاكي ارتجافاً شبيهاً بزلزال أرضي. داخل الغرفة، يمتزج مع انعكاسات الخزائن الظل المكبّر للمشاهد، فيولّد هذا المزج استجابة نابعة من داخل الأحشاء تحمل شعوراً بالتقيد وعدم الاستقرار. أما الخزائن، الشبيهة بأقفاص تستخدم للحيوانات الذين يخضعون لعمليات الاختبار، فتوحي بالعيش في فضاء مديني كثيف السكان حيث يبدو الناس داخل أقفاص غابة كونكريتية في مجموعات شقق سكنية مخصصة لذوي الدخول القليلة موحدة الطراز. في العناوين التي تختارها حاطوم، كشأن عدد من أعمالها، ثمة لعب على الكلمات – إشارة إلى كل من عبارة "حكم مخفف"، والحالة المضادة لحلم يولد من حركة الظلال الناعمة لشعاع الضوء.


مشهد داخلي | 1988 | سرير معدني، وسادة، خريطة،علاقة، شعر بشري، كرسي | المقاسات مختلفة

في عملها المسمى Interior Landscape "مشهد داخلي" (2008)، وهو عمل إنشائي أبدعته الفنانة خصيصاً لهذا المعرض، قامت حاطوم، بمساعدة حدّاد من عمّان، بتحويل الأسلاك المخصصة لقاعدة سرير حديدي، إلى شبكة من أسلاك شائكة. بوضعه داخل فجوة في الغرفة، يظهر السرير الخالي من فرشته، وبدهانه المتقطع، كأنه سرير سجن. لقد تحول رمز الراحة والاسترخاء هذا إلى مادة كابوسية. وبتناقض صارخ لقاعدة السرير ذات الأسلاك الشائكة، وضعت حاطوم مخدة ناعمة خاطت فوقها خريطة فلسطين التاريخية، ونثرت عليها خيوطاً من شعر رأسها. تعدّ خيوط الشعر التي تتساقط عادة من الرأس على المخدة والفراش شيئا منفراً وغير نظيف، وهي عادة تكنس بروح مشمئزة. مع ذلك، فالشعرات هنا تلتحم بخريطة فلسطين، كما لو كانت تستجيب لحلم ملح.

كما تظهر خريطة فلسطين أيضاً على الجدار المجاور للسرير ذي الأسلاك الشائكة. هذه الخريطة مصنوعة من سلك وردي لعلاّقة ملابس، وقد تدلّت مثل صورة ظل مجرد من الحياة. إلى جانبها عُلّقت سلة شبيهة بحقيبة أوراق فصّلت من نسخة مطبوعة من خريطة فلسطين وقد شُقّ جسمها شقاً شبيهاً بسلسلة من سياج سلكي. على الحائط تتمايل منضدة قهوة صغيرة ثلاثية الأرجل، غير مستقرة وتنوء بحمل صفيحة ورقية خفيفة الوزن رسمت فوقها الفنانة أشكالا تشبه الخريطة من مجرد تتبع أثر الخطوط الخارجية لبقع زيتية. لقد تحولت غرف النوم التي نقرنها عادة بالراحة والسكينة، إلى فضاء متنافر مليء بالتوتر واللايقين. ما من شيء من هذه الأشياء يصلح للاستخدام؛ سرير بلا فرشة، منضدة مكسورة، خريطة مقطّعة؛ علاّقة ملابس غير ذي نفع. جمع هذه الأشياء معا يكوّن مشهداً خلوياً مفككاً ذا طابع سوريالي. توجد حاطوم في هذا العمل، كما في غيره، فضاءاً عائلياً "لا يوفر الراحة الدائمة ولا المؤقتة." وبهذه الطريقة فإن هذا العمل يصلح أن يكون استعارة لحال وجود اللاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون أطول صراع متواصل في التاريخ الحديث.


ثبات 2  |  2008 |  كرسي حديد، خرز زجاجي، سلك  |   97 49 45.5 سم

مرور الزمن والذكريات والفقدان أمور مركزية في تاريخ "النكبة"، أو كارثة 1948، عندما اقتلع ما يزيد على نصف سكان فلسطين من جذور وطنهم. في عملها Static II "ثبات 2" (2008) يظهر أن الكرسي المعدني المزخرف، وهو ما يوجد عادة في حدائق جذابة لدور آمنة مباركة، صحية أخرى للزمن المفقود، وهو يظهر هنا مغطى بشبكة عنكبوت. تتكون الشبكة من خرز زجاجي ملون يرمز إلى الخشخاش الأحمر، ويحمل من تداعيات الوطن والتضحية ما هو شائع في أدبيات فلسطين. كان والدا منى حاطوم قد أُخرجا من بيتهما في حيفا، فلجئا إلى لبنان. وكشأن كل الفلسطينيين، ظنا أنهما عائدين لاسترجاع الممتلكات الشخصية. غير أن هذا لم يحدث. فقد صودر بيتهما بكل محتوياته، كما صودرت بيوت الكثيرين أمثالهم، بما فيه من أعمال فنية وسجاد وصور عائلية وكل ما يورّث من الأشياء القيمة. وبعد مرور ستين عاماً، لا يزال كل شيء – العادي منه والثمين –  ثابتًا منذ زمن النكبة، ينتظر بإخلاص عودة مالكه الشرعي. والكرسي في عمل "ثبات 2" ما هو إلا دليل على فقدان البيت وانتصار الذاكرة معاً. 

في عملها الموسوم Untitled (willow cage) "بلا عنوان (قفص من صفصاف)" 2002، تبدو الشبكة أقل روعة وأكثر رقة، فهي مكوّنة من أماليد الصفصاف منسوجة معا على شكل قفص طائر. في البناء البسيط والمواد الطبيعية شاعرية وإشارة إلى العلاقة المتوازنة مع الطبيعة. فضلاً عن ذلك، تُرك الباب مفتوحاً وسقف القفص بلا نسيج. في عدم اكتمال القفص دلالة على الحرية والتفاؤل، على النقيض من الإحساس بالوقوع في الشرك، كما تجلى في أعمال مثل "حكم مخفف". 

من الحديد إلى الأماليد وإلى أكثر المواد رقة وعناداً كشعرات رأس الإنسان، تجترح الشبكة معان جديدة في أعمال حاطوم. ولإيجاد شبكة ذات تصميم تقليدي للكوفية، وهي لباس الرأس العربي المرتبط بالرجولة، نجد أن Keffieh "كوفية" (1993-99)، مطرزة بشعر رأس الإنسان. فمن تحت حواشي لباس الرأس المربع هذا تطل حافات شعرات ضالة إطلالة مغوية، مثل جدائل شعر غير مرتبة منزلقة من تحت الخمار الذي تلبسه المرأة المسلمة المحافظة. تطرح حاطوم، من خلال المادة والشكل، التقارب بين شعر المرأة والرجل من أجل أن تعلّق على السلوك الاجتماعي العربي والإسلامي، ووظائف كلا الجنسين.  يقيناً، أن هذا العمل يساءل المحرمات من خلال تأنيث رمز الرجولة. وتعزي حاطوم هذا العمل إلى القول الشائع: "بدي أنتف شعري". تقول منى: "تخيلت نساء يقتلعن شعر رؤوسهن من شدة الغضب، ثم التحكم بهذا الغضب من خلال النقل الصبور لتلك الشعيرات المجدولة نفسها إلى اللباس اليومي الذي أصبح رمزا فعالا لحركة المقاومة الفلسطينية. وبهذه الحالة يمكن النظر إلى التطريز على أنه لغة أخرى، وضرب من الاحتجاج الصامت." 


كوفيّة| 1993 - 1999 | شعر بشري على قماش قطني | 120 120 سم

تتطلب عملية النسيج، وهي من الأعمال التقليدية التي تقوم بها المرأة، صبراً وساعات مكررة طويلة. مع ذلك، فإن هذا العمل المتعب والمبدع أيضاً، هو من الأعمال ذات الأجر الرخيص والتي قلما تحظى بالاعتراف بقدراتها الفنية. عندما كانت حاطوم من فتيات الكشافة الصغار في بيروت، استخدمت نولاً بسيطا من الصناعة اليدوية، رُصّع إطاره الخشبي بمسامير معدنية ناتئة موزعة حول الحافات بمسافات متساوية لغرض حياكة قطع صغيرة كانت ستجمع فيما بعد لصنع سجادة أو غطاء سرير للفقراء. فاستخدمت الفنانة نولاً مشابها لتنسج فيه عملها Hair grids with knots "شبكات شعر مع عقد" (2006)، والعمل يتألف من ست شبكات، مساحة كل شبكة منها 10 سم، نسجت بمشقة في شبكة مفتوحة، ثم ربطت مع بعضها، ولدى إخراجها من النول بدت الشبكة الطويلة متدلية من جدائل الشعر بارتخاء وقلق. وعلى النقيض من الشبكة المنسوجة نسجا محكما، كما يظهر في سجادة "أسلاك كهربائية" في عملها Undercurrent "تيار خفي" (2004)، فإن عمل "شبكات من شعر مع عقد" يبدو أقل صلابة وأكثر انسيابية: فقد تركت اللحمة والسدة مفتوحتان، كما لو أن أحلام المرأة وأفكارها الواقعة في شرك النسيج المحكم للسجاد قد تحررت الآن. يأتي استخدام مادة الشعر ذات الطبيعة الرقيقة والزائلة مضاداً لاستخدام حاطوم للأسلاك الشائكة في أعمال أخرى، فالعمل هنا على جانب كبير من الرقة والرهافة بحيث لا يكاد يُرى، مع ذلك فإن بناءه الشبكي يكسبه قوة. يعيد هذا العمل إلى الأذهان ثنائية النظام واللانظام، الشكل الصارم والشكل الحر، وكذلك الأسر والحرية. وفيه أيضا إشارة لمرور الزمن، والموت والحياة والمحرمات الاجتماعية لما يخص نفايات الجسد.  

وضع خارطة للشبكة

يشتمل هذا المعرض على عدد من الخرائط التي تحدد جذورها صيغة الزمن الحاضر لدى حاطوم، وهو عمل أبدعته الفنانة في عام 1996 عندما كانت مقيمة في قاعة أنادييل الفنية في القدس، حيث أقامت أول معرض شخصي لها في الوطن العربي. صيغة الزمن الحاضر عمل إنشائي في شكل شبكة مؤلفة من 2400 قطعة من صابون زيت الزيتون الذي ينتج في مدينة نابلس الواقعة شمال القدس. على سطح الصابون حبات صغيرة مطمورة من خرز زجاجي أحمر تتقصى حدود المناطق المنفصلة أو الكانتونات التي اقتطعت من فلسطين التاريخية، بمقتضى اتفاقية أوسلو، لتصبح دولة فلسطين الجديدة. يمثل الصابون، ذو الطبيعة العابرة، التعهد بإذابة الحدود غير العادلة، على النقيض من تراث صناعة الصابون الذي ظلت تحافظ عليه فلسطين على امتداد قرون. غالبا ما تستخدم حاطوم التورية في عناوين أعمالها،كما في هذا العمل. فاستخدامها لصيغة الزمن هنا له علاقة بالتوتر الدائم الناتج عن وضع الفلسطينيين الذي لا حل له. وثمة إشارة إلى هذه الحالة السيئة تأتي من خلال اختيارها إلغاء كلمة كامل من المصطلح النحوي "صيغة الحاضر الكامل".

يعبّر الشاعر محمود درويش بكل وضوح عن ملاحظات حاطوم حول نتائج معاهدة أوسلو، وكان درويش قد استقال من عضوية اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1993 احتجاجا على اتفاقية أوسلو، وحمل تصريحه في هذا المجال وصفاً للوضع الراهن للفلسطينيين من جرّاء هذه الاتفاقية، جاء فيه: ".. تحت غطاء سلام مراوغ لانتزاع حق الفلسطينيين بملكية أرضهم ومصدر معيشتهم، ولتحديدهم بأراض خاصة معزولة ومطوّقة بمستوطنات وطرق فرعية، حتى يأتي يوم يباح لهم فيه أن يسمّوا أقفاصهم دولة، بعد موافقتهم على:(إنهاء مطالباتهم وصراعهم.)"

وكان درويش قد استخدم أيضاً "صيغة الزمن الحاضر" في قصيدته المسماة "هي جملة اسمية"، يشجب فيها الحاضر الراكد الذي لم يحل بعد:

"أين الطريقُ إلى الطريقِ؟
وأين نحنُ، السائرين على خطى الفعل
المضارعِ، أين نحنُ؟ كلامنا خَبَرٌ
ومبتدأٌ أمام البحرِ، والزَّبَدُ المراوغُ
في الكلام هو النقاط على الحروف،
فليت للفعل المضارع موطئًا فوق الرصيف..."

من نتائج انفراد إسرائيل برسم خريطة الضفة الغربية، نشأت ظروف معيشية لا إنسانية إلى أبعد حد في خرق فاضح للاتفاقيات العالمية لحقوق الإنسان. فقد رسمت الحدود لصالح التوسع للمستعمرات الإسرائيلية بإتباع سياسة الاستيلاء على الأراضي التي يجبر من خلالها الفلسطينيون على التخلي عن أراضيهم، فقد دمّرت بيوتهم، وقُيّدت حركتهم ببناء جدران فاصلة بارتفاع ثمانية أمتار.


مدن ثلاثية الأبعاد |  2008 |  خرائط مطبوعة، خشب | مقاسات مختلفة

منذ عملها صيغة الزمن الحاضر، أبدعت حاطوم عدداً من المشاريع التي تُدخل في تكوينها خرائط يدوية الصنع، ومن ضمنها عملها الثلاثي المعروض هنا بعنوان  3-D Cities "مدن بثلاثة أبعاد" (2008). تنشر حاطوم في هذا العمل الإنشائي خرائط مطبوعة لكل من بيروت وبغداد وكابل، وتضعها على ثلاث مناضد خشبية موصولة بمعابر خشبية. شُقّت الأقسام الدائرية للخرائط بدقة في أشكال مخروطية تبرز إلى الأعلى أو تتراجع إلى الأسفل. ثمة جدلية أوجدتها القباب فوق سطح الخريطة، للدلالة على البناء، بينما يتراجع التجويف، إشارة إلى الحفر التي تخلفها التفجيرات الناجمة عن السيارات الملغومة أو القصف الجوي. ففي جدلية السالب والموجب استعارة تمثل تناقض الحال ما بين البناء والهدم، أو الحياة والموت. وقد قامت الفنانة باستكشاف مثل هذه الجدلية في العمل المسمى "+ و-" (1994)، حيث تظهر فيه ذراع ترسم في الرمال خطوطا دائرية ثم تمحوها.

في Afghan (red and orange) "أفغاني (أحمر وبرتقالي)" 2008، تعيد حاطوم إبداع العلاقة ما بين الموجب والسالب المنوه عنها في مدن بثلاثة أبعاد. تظهر في هذا العمل خيوط أكوام البسط المنسوجة وقد حُلّت من أجل إنتاج شكل تصوري لخريطة العالم التي وضعها غول- بيترز، وساوى فيه بين المناطق. فالمناطق المنسوجة تتعارض مع الأماكن السلبية التي تكوّن الخريطة. تعيد هذه الخريطة رسم القارات على وفق حصص حقيقية، على النقيض من الخرائط المألوفة والمرسومة من منظور المركزية الأوربية التي اعتبرت مساحات دول الشمال أكبر من النصف الجنوبي للكرة الأرضية. ثمة إشارة في عمل أفغان تتعلق بسيرة حاطوم وذكريات طفولتها عن الوطن والمنفى, كان لوالد حاطوم وله بجمع السجاد الإيراني، وكان قد كدّس في دارهم في حيفا مجموعة كبيرة منها. ولعدم تمكنه من العودة ثانية بعد عام 1948، لم يتمكن إلا من إنقاذ ما يكفي لتغطية أرضية دار حاطوم في بيروت. تتذكر حاطوم سجادتها المفضلة وتكوينها المشبّك، فتقول: "تكاد السجادة التي استخدمتها في هذا العمل تكون مطابقة، ولكنها نسخة مصغرة من السجادة التي كانت فوق أرضية غرفة نومي المشتركة مع شقيقاتي في بيتنا في بيروت. كانت تصاميمها من نمط سجاد بخارى الذي يتألف من رسوم نافرة سداسية صغيرة، تحدها خطوط خارجية بلون أزرق بحري وتكوين متشابك فوق خلفية بنية. أحيانا أرى أن عشقي للأشكال المتشابكة والبناء الهندسي لابد أن يكون ناشئاً من ساعات لا تحصى كنت أمضيها، وأنا طفلة، في اللعب على تلك السجادة."

فقدان البيت، محتوى وأرضاً ووطناً، يقود نحو مضامين تتناول المنفى، أو الغربة، التي هي حالة مألوفة ومقلقة لأغلبية العرب. قليلون هم أولئك الذين لم يتأثروا بالمنفى، سواء أكان تأثراً شخصياً أم من خلال مفارقة الأحبة. يتحدث إدوارد سعيد بلسان ملايين العرب الذين وجدوا أنفسهم في حالة من حالات الليمبوس (أو الأعراف): "وراء الحدود الفاصلة بين نحن والغرباء تأتي مباشرة منطقة اللاانتماء الخطيرة: فإلى هذا المكان كانت الشعوب تنفى في العصر البدائي، وحيث يوجد في الزمن الحاضر مجاميع بشرية هائلة يتسكع أفرادها فيها بصفتهم لاجئين.."

تتفحص حاطوم تجليات حياة المنفى في عملها بالفيديو Measures of Distance "مقاييس البعد" (1988). فقد التقطت الفنانة صوراً فوتوغرافية ساكنة لوالدتها وهي تستحم تحت الدوش في بيتها في بيروت، ثم وضعت فوق الصور رسائل كتبتها والدتها بالعربية. وبهذا أصبحت الرسائل ستارة تضبب عري والدتها. ينطلق من الفيديو تسجيل صوتي ينتشر هنا وهناك ليبث حواراً حميماً يدور بين حاطوم ووالدتها حول الجنس، إلى جانب قراءة رسائل كتبتها والدتها لها بالإنجليزية. كانت الفنانة قد التقطت شريط الفيديو هذا في زيارة إلى بيروت تستذكر فيها بإيجاز حرباً أهلية لا رحمة فيها (1975-1991)؛ كانت كل من الأم وابنتها تدركان أن تبادل النار قد يبدأ في أي لحظة، وأن الخطر المتوعد الذي ينشر ظلاله في الخارج هو نقيض الجو المسترخي في الداخل.

مجازات هذا العمل متعددة الطبقات ولها صلة بالسيرة الشخصية للفنانة. بالإمكان قراءته الموضوع، على الرغم من عمق خصوصيته، على أنه نقد نسوي لصورة المرأة في ثقافات الغرب، والمحرّمات من الموضوعات الجنسية في ثقافات العرب. وبغض النظر عن الإشارات الخفية إلى المستشرقين الغربيين في نظرتهم التلصصية، يتحتم على المشاهد التركيز على التبادل الحميم بين الأم وابنتها وهو ما يضعف من حسيّة الجسد الأنثوي. ليس من المستغرب بالتأكيد أن تختار منى الحمام ليكون مكانا للتعبير عن الشعور الحميم. فالحمامات، سواء أكانت خاصة أو عامة مثل حمامات النساء، فضاء تتخلى فيه النساء عن الملابس وعن الشعور بالحرج أيضا، فالنساء يشتركن بتبادل القصص الشخصية والنميمة والنكات وغيرها من الأحاديث الحميمة. داخل عزلة حمامها الخاص، من الممكن تصوير الجسد العاري لوالدة حاطوم في حالته الطبيعية. يتضاعف حجم الاقتراب الحميم لهذه العلاقة من خلال اللغة؛ فالرسائل المرتبة أوراقها على جسد الوالدة العاري يلمّح ضمناً بالمسافة البعيدة والوقت الثمين الذي ضاع في المنفى. ثمة تضاد بين سطور الرسائل الأفقية المكتوبة بلغة عربية فصيحة والحديث المنساب باللغة المحكية بطلاقة وما يتخلله من ضحك. تكوّن السطور المكتوبة ستارة فاصلة كما تكوّن درعاً واقياً لكل من الابنة في منفاها والوالدة في بيتها. تتردد مضامين المنفى والفراق من خلال الفيلم؛ إن الغياب الجسدي للبنت، إلى جانب الرسائل واللغة الإنجليزية الطاغي صوتها، تذكّر جميعها بالمسافة البعيدة. القراءة بالإنجليزية منفصلة ورتيبة، ويشيع منها شعور بالارتباك كما لو أن المعنى الحقيقي قد فقد في الترجمة.


حديقة معلّقة  |  2008 |  أكياس خيش، تراب، عشب | مقاسات مختلفة

Hanging Garden "حديقة معلقة" (2008) لحاطوم تذكير شعري آخر بالمآسي الشخصية والجماعية والانزياح والمنفى. ففي عملها الأخير هذا، ملأت الفنانة أكياساً من الخيش بتراب أردني ثم غطته بعشب نابت تفوح منه رائحة أرض خصبة رطبة. لقد بنت بعملها هذا ساتر يشير في آن واحد إلى الحياة والموت. فهذا العمل الإنشائي المهيب يوقظ لدى المشاهدين الذين شهدوا عشر حروب خلال السنوات الستين الأخيرة، إحساساً بالخطر الوشيك، وبانعدام القوة وسرعة التأثر. وتدل سيقان العشب الأخضر على الوجود المنتشر للسواتر في فلسطين والعراق ولبنان، والتي تكتسي بالعشب زمناً بعد زمن. علاوة على ذلك فإن الخيش، بمادته القاسية، يتناقض مع العشب الناعم الذي يرمز إلى الإصرار على الحياة وتغافل  الطبيعة عن السواتر المنشأة. 

للحدائق أيضاً مرجعية تاريخية ذات علاقة بالمنفى. ففي سنة 600 قبل الميلاد شيّد نبوخذ نصر الثاني الجنائن المعلّقة في بابل، وهي واحدة من عجائب الدنيا السبعة، من أجل زوجته التي كان لديها حنين إلى وطنها الأم، وكانت ترغب بوجود طبيعة خضراء مشابهة في وطنها الجديد. في هذه المرجعية دلالة خاصة إلى الأردن اليوم حيث بلغ عدد اللاجئين العراقيين فيها عام 2007 ما يربو على 481000 لاجئ يشعر بالحنين إلى بلاده . لعل ما توحي به الجنائن المعلقة للعراقيين الذين لا بلاد لهم، التفاؤل إزاء الموت والدمار. مع ذلك، فإن أحلامهم ببابل، في واقع الحال، مكونة أيضا من تربة غريبة، فبناء بغداد مسألة فيها من المراوغة بقدر ما في أحلام علماء الآثار باكتشاف بابل. 

ثمة عمل سابق لحاطوم يتضمن موضوعاً كهذا عن الأحلام غير المحققة، وذلك في Every door a wall "كل باب جدار" (2003) حيث يظهر فيه مقال من جريدة مطبوع على ستارة شفافة يحمل خبر إلقاء القبض على عمال غير شرعيين هُرّبوا إلى الولايات المتحدة عير حدود المكسيك. باختبائهم ساعات طويلة في بطون شاحنات خانقة، أكتُشف العمال من قبل شرطة الحدود، من خلال تقنيات الأشعة السينية التي تحوّل شكل الإنسان إلى خطوط أو ظلال. يذكرنا العمل برواية غسان كنفاني "رجال تحت الشمس"، والتي تناول فيها الموت المأساوي لثلاثة رجال فلسطينيين. فبعد إقصائهم عن وطنهم من غير امتلاكهم أية وثائق سفر رسمية، حاول الرجال عبور الحدود داخل العراق للبحث عن عمل في دولة الكويت المجاورة. وعندما تجاوزت الشاحنة الحدود، اختنق الرجال بالحرارة الشديدة ولم تُسمع صرخاتهم اليائسة المستغيثة. في الرواية استعارة عن العراقيل السياسية والاجتماعية التي يواجهها الفلسطينيون في نضالهم من أجل الحرية. وعلى الرغم من بعد الشقة بين العالمين، فإن المكسيكيين والفلسطينيين يواجهون الموت في سعيهم إلى الحصول على احتياجاتهم الأساسية من أجل البقاء. 

يُستحضر الصوت المكتوم لعرب الشرق في عمل بعنوان Set in stone "محفور في الصخر" (2002)، مع أنه ذو علاقة هذه المرة بالغرب. بوحي من دمية جهاز تلفون صممه الأطفال من علب تنك مستعملة، تعيد حاطوم تقديم جهاز تلفون بدائي على شكل كأسين لهاتف كبير منحوت من رخام أبيض. وعلى طراز الحفر المستخدم في حجر القبور، تحفر حاطوم كلمتي الشرق والغرب (بالعربية) على كل كأس كما هو دارج. ترقد مترهلة، حاشية من خيط معدني توصل بين الكأسين الرخاميين، في استعارة تمثل التواصل المتعذر تحقيقه بين الشرق والغرب. 

الأوسمة والنصب التذكارية

منذ بداية أعوام الثمانين، كانت الموضوعات التي عالجتها حاطوم في أعمالها تنذر بالنظام العالمي الجديد ونتائجه: التدخلات العسكرية، الاحتلال الذي أدى إلى زيادة حالات الانزياح والنفي؛ حالات الفقر التي أدت إلى الهشاشة وعدم الاستقرار؛ تآكل الحريات المدنية وحقوق الإنسان الذي قاد إلى انعدام الأمان والتهديد؛ الكوارث البيئية: العبودية؛ وقيام الأنظمة القمعية. Medal of dishonour "وسام العار" (2008)، الذي أُقيم في واحد من تجاويف قاعة العرض في دارة الفنون، عبارة عن صورة مختزلة لهذه القضايا في وسام برونزي صغير يظهر فيه العالم على شكل قنبلة يدوية. حُفر سطح الوسام ليصور المساحة الواسعة لأرض القارات مصغّرة بشبكة خريطة شهيرة. كُتب على سطح الوسام بالعربية عبارة "صنع في أمريكا"، وهي العبارة التي تكتب عادة على ظهر المنتجات المصنّعة. في العمل هجاء لطموح أمريكا العالمي وما يصاحبه من إخفاق. تتضمن الكتابة العربية، متحدة مع عنوان العمل، إخفاق أمريكا في كسب قلوب وعقول الشعوب العربية، ونتائج سياساتها في المنطقة، تلك التي أدت إلى خسائر الأرواح وتشريد ملايين اللاجئين. 

في عملها Witness "شاهد" (2008)، تعالج حاطوم أيضا موضوع الأوسمة والتذكارات وكيف يتغير معناها خلال الزمن. أُنتج عمل شاهد بمساعدة من الجمعية التعاونية لنساء عراق الأمير، وهو نسخة خزفية من نصب الشهيد الموجود في وسط بيروت، بارتفاع 70سم. يعود تاريخ التمثال الأصلي إلى عام 1916، تخليدا لذكرى الانتفاضة ضد السلطات العثمانية. فقد نجم عن تلك الثورة إعدام عدد من الوطنيين اللبنانيين في مكان ما يسمى اليوم ساحة الشهداء. بغض النظر عن أصل وظيفته التذكارية، اكتسب الشهيد معنى جديدا في زمن لبنان المعاصر. فجسد نصب الشهيد الحالي المليء بالرصاص، وذراعه المكسورة، وما لحقه من أضرار خلال الحرب الأهلية اللبنانية، تُرك عن عمد بلا صيانة لتبقى الندوب وثيقة تحفظ للتمثال دوره بوصفه شاهدا على ما جرى. ومما هو جدير بالاهتمام جقا، أن شهِد هو جذر الكلمة العربية لعنوان العمل، وتعني أيضا "شاهِد"، أي من يدلي بالخبر القاطع. لقد اكتسب النصب في وقت قريب جدا، رمزية ذات طبقات متعددة، بعد أن أصبحت ساحة شهداء بيروت مسرح الكثير من المظاهرات والاحتجاجات للأحزاب السياسية المتنافسة التي تتناوب على تهيئة المكان ليكون ملائما لقضاياهم الخاصة. بتقديمها نموذجا هشا لنصب الشهيد داخل فضاء قاعة العرض، تستجوب حاطوم الفذلكة الخاصة بالقيم الوطنية المشتركة التي غالبا ما تعزى إلى النصب، متسائلة عن ديمومتها المفترضة على امتداد أزمنة التغيّر.


شاهد
  |  2008 |  خزف، حجر | 84 57 35 سم

تحقق أعمال حاطوم نجاحها في نقل الوضع المعيشي في منطقة مبتلاة بالحروب والنزاعات.. ومعرضها في عمان لا يقدم للمشاهدين أشكالاً فنية جديدة فقط، وإنما طرقاً جديدة في ممارسة الفنون وتذوقها. في 28 حزيران 1998، تسلمت حاطوم شهادة دكتوراه فخرية من الجامعة الأمريكية في بيروت مع المشرّعة والأكاديمية الفلسطينية حنان عشراوي. في خطاب قبولها، وضّحت عشراوي بأسلوبها البليغ عدداً من القضايا التي أثارتها حاطوم في فنها، والتي برزت في هذه المقالة: "في فلسطين (كما في لبنان والأراضي المنكوبة الأخرى)، عندما يصبح الفضاء العام منقبضاً وغير شفاف، ويسود الخطاب الخادع، وعندما تقيم القوى مسألة إلغاء الاعتبارات البشرية والإنسانية، نحتاج إلى الجرأة للتدخل قبل أن يصبح التراخي شراكة في الجريمة، ويتحول الإذعان إلى هزيمة. فالمطلوب منا كشف الستر لا عن المستوطنات غير الشرعية وحسب، وإنما عن النظم القسرية للترهيب الجسدي والعقلي؛ لا من أجل تحدي قيود زنزانات السجن وحواجز التفتيش فقط، وإنما من أجل حصار الجهل والإساءة... أصدقائي الأعزاء، ما لم نقم بهزةّ، لن نتمكن من أن نقدم لأطفالنا (وأحفادنا) تلك الهدية النادرة لمستقبل يتمتع بالتسامح والسكينة."

تجدد كلمات عشراوي الطرق التي من خلالها تقوم  أعمال حاطوم بتحريك المشاهدين وتحريضهم على طرح المزيد من الأسئلة. "حالات الكينونة" أعمال تدور حول العبور المتجاوز للوصول إلى عالم حاطوم، ونبذ رقيبنا من أجل الخوض في تجربة أعمالها جسدياً وعقلياً وروحياً، لندرك في الوقت نفسه أن العمل قائم على طبقات من المعاني، وأنه جدير بالبحث عن ماهيته. لقد شاهدت أعمال حاطوم معروضة في أرجاء كثيرة من العالم: سان فرانسيسكو، شيكاغو، نيويورك، لندن، باريس، فينيسيا، القدس، الشارقة. غير أن للتماس المباشر مع العمل في عمان لسعة حادة جداً، يصبح فيها الشخصي والكوني واحداً؛ لقد حققت أعمال حاطوم في دارة الفنون ما وصفه مانزوني من أنه "جرثومة الإنسانية برمتها".

 بعد مرور حقب زمنية من اليوم، وعندما تشاهد أجيال المستقبل أعمال حاطوم، سيبقى وضع الإنسان، كما هو عليه في حياتها، خاضعاً لنتائج أعمال البشر، وأنه سيبقى ينقل بالحدة ذاتها الندوب التي تركناها فوق هذه الأرض.

 

 

انظر أيضاً:

> منى حاطوم
-  في البيت وبعيدا عنه السريالية الغريبة في أعمال منى حاطوم بقلم الكساندر اولين
-  مقابلة  مع منى حاطوم أجرتها جانين انتوني
-  فن الانزياح: منطق منى حاطوم في جمع المتناقضات بقلم إدوارد سعيد
-
 حالات الكينونة في فن منى حاطوم بقلم سلوى مقدادي

 
press clips
summer academy
currently on
workshops