|
عودة الروح: مشروع النكبة
جين فرير
كلمة الفنانة
من المحرقة إلى النكبة: الإلهام
زياراتي
المتكررة والمتفحّصة لمعسكرات الاعتقال النازي في بولندا، مكّنتني من معاينة الرواية
اليهودية، حيث
أدركت مدى القسوة
والمأساة المرعبة في الهولوكوست
(الكارثة اليهودية على يد النازيين).
كان هذا الاتجاه
في
البحث والدراسة دافعاً لي للاهتمام بـ"النكبة"، وهو المصطلح الذي
نحته الفلسطينيون لوصف تهجيرهم الجماعي
القسري
المرعب
عندما استُخدمت
القوة لطردهم خارج وطنهم سنة 1948.
قام
المؤرخون الإسرائيليون الجدد،
من
مثل البروفسور إيلان بابيه، بإدانة
سياسات التطهير العرقي
المُمارَسَة ضدّ الفلسطينيين آنذاك،
تلك السياسات التي دفعت
الفلسطينيين للهجرة تحت تأثير القتل والعنف والاغتصاب
والذعر
النفسي. كانت نكبة سنة 1948 فاتحةً لمرحلة من النزوح للشعب
الفلسطيني، وهي ليست مجرد حدث دُفن في الماضي، لكنها مصدر لكوارث
عديدة لحقت بالفلسطينيين والشرق الأوسط والعالم أجمع.
ولأن
ما حدث للفلسطينيين من
تجاهل ما
يزال
مستمراً
في
التعاطي
مع قضيتهم العادلة، فقد قررتُ
القيام بخطوة
مؤثرة تنتصر لآلامهم؛
ولأنني كنت أريد
الحصول
على
أجوبة عن
كثير من الأسئلة التي
برزت في مرحلة مبكرة من العمل،
وجدتُ أنه من الضروري
بدء
رحلة استكشاف للتعرف على
الإيقاع اليومي لحياة الفلسطينيين تحت الاحتلال،
ونبش
تاريخهم
الحديث من خلال العيش في مجتمعاتهم المحلية.
هناك في لندن، حيث شقتي البعيدة عن فلسطين، تبدو محاولة فنانة
اسكتلندية مشاركةَ الفلسطينيين
مأساتهم عبر
القراءة ومشاهدة الأفلام محاولةً غريبة.
ومن جهة أخرى،
فأنا
لم أزر فلسطين من قبل، وكانت مجرد فكرة الزيارة،
في أوقات
كهذه
تغرق بالنزاع والصراع،
تربكني..
الأخبار وقصص المآسي استمرت تُبث على التلفاز، ترافقها تصريحات
السياسيين، وتزيد وسائل الإعلام الأمر إرباكاً؛ ولكن
ظلت الرغبة تحدوني
في إنجاز عمل حول تهجير الفلسطينيين.. ماذا أريد أن أفعل؟ وكيف؟ لم
أكن متأكدة مما سأفعله بعد، وكان جلياً لي أنه إذا حدث وأنجزتُ
عملاً حول فلسطين،
فإنه
ينبغي أن يكون عملاً مميزاً، بمثابة جهد تذكاري.
من الفكرة إلى التنفيذ: البدايات
تساءلت السيدة:
"لماذا
يفعلون
هذا
بالناس
الفقراء؟".
"لأنهم فلسطينيون!"، أجابها صوت داخلي بأسى وسخرية.
"بهذه الطريقة يظلون
معَلَّقِين،
غير قادرين على الوصول
إلى السماء
أو النزول
إلى الأرض"!.
"هذا هو.."،
قلتُ لـ"نيفيل" ونحن نخرج من قاعة السينما..
"هذا هو المشروع إذن!".
كنا قد شاهدنا للتوّ فيلماً من إخراج تهاني راشد بعنوان
"سريدا.. امرأة من فلسطين"، وفيه تحتسي أم علي القهوة مع نسوة تقصّ
عليهن حلمها في الليلة الماضية؛
حلمها الذي
شاهدت
فيه مئات الفلسطينيين معلّقين كما تُعلّق الملابس على حبل الغسيل
كي تجفّ.
حلم أم علي دقّ على وتر حساس لديّ!
إذا انتُزعت الأرض من تحت أقدامك، وقُطعت جذورك عن المكان الذي
تنزرع فيه منذ قرون، فإنك لا بد ستبدو هائماً، وستظل روحك معلّقة
في برزخ بين الجنة والجحيم، لا تستقر على حال، ولا تركن إلى سكينة
أو طمأنينة ترنو إليها..
من خلال العصف الذهني بدأتُ
أتأمّل
حالة التأرجح هذه!
ومن خلال عملي
بالمسرح
في تصميم الأزياء، جاءتني
فكرة أخرى وبشكل مفاجئ
أيضاً عندما
كنت
أختبر مادة الشمع المغلي.
إذ قمتُ بتحوير أحد المجسمات من الإنتاجات السابقة
في
المسرح،
وغمسه بالشمع السائل مرة تلو الأخرى،
حتى
اتخذ شكلاً
جديداً وكينونة
خاصة
به.
عبر
استخدام الشمع -وهو مادة حساسة-
منحتُ الأشكالَ بُعداً
جديداً أضفى عليها
طابعاً مميزاً يجمع بين الحزن وإثارة المشاعر،
فكانت الأشكال الناتجة
مختلفة عن كل ما رأيته من قبل..
ومن خلال خيال الفنان وتصوراته الفانتازية، تحدثت المنحوتة
إليَّ قائلةً:
"أنا هي!".. فاستمعت لها.
أصبح
عدد المجسمات
يتزايد،
وكان من المنتظَر أن تشكلَ جزءاً من منحوتة كبيرة بعنوان "عودة
الروح". هذه المنحوتة المكونة من مجسمات صغيرة مصنوعة يدوياً من
الشمع، ومعلقة بالتدرج من الأكبر إلى الأصغر، تقدّم صورة بصرية
مدهشة للتهجير الجماعي. كأنما هي موجة قادمة من اللاجئين
الفلسطينيين.
بعدما تبلورت فكرة المشروع،
ارتأيتُ
أن هناك ضرورة لإنجاز المرحلة التالية في فلسطين؛ فهذه العناصر لا
تعبّر
عن تاريخي أنا،
وهي
ليست أكثر من قواقع فارغة تحتاج لمن ينفخ فيها الحياة.. ومن
النزاهة والضرورة أن يتم تنفيذها بأيدٍ فلسطينية..
بهذا،
فإن
المشروع يهدف أساساً إلى
منح معاناة الشعب الفلسطيني شكلاً معيناً، ومؤازرة
اللاجئين
ودعمهم عبر
التعبير الفني الذي يؤشر
على فداحة
التهجير القسري،
استناداً إلى أسلوب
ينأى
عن الشعار السياسي
المباشر، ويُبرز البعد الإنساني والجانب الروحي.
أدركتُ
مبكراً أن هذا العمل غير عادي، ومهما أبدعنا، فإن المنتج الفني لا بد
أن
يكون أقلَّ
بلاغة من الرحلة
التي كنتُ على وشك خوض غمارها.
مهما ظننتَ أنكَ
تعرف عن فلسطين من الخارج، فإن ذلك لا يضاهي تجربة زيارتها؛ فلا
يمكن التعرف على الاحتلال ونفي الآخر كما ينبغي إلا من خلال ممارسة
ذلك
من
قرب، باستخدام الحواس الخمس.
لقد كانت رحلتي إلى فلسطين، ومعيشتي مع الفلسطينيين في مخيمات
اللجوء، الأغنى
والأكثر تأثيراً في نفسي، مدعومةً
بروح صامدة لا تُهزم للشعب الفلسطيني،
فرغم ما يتعرضون له من تجاهل
ونفي وتهميش وأوضاع
حياتية قاسية،
فإنهم ما
يزالون مؤمنين بحق العودة بعد أكثر من نصف قرن
ومتمسكين به استناداً لمقررات
المجتمع الدولي.
|