|
قراءة نقدية
بقلم:
سما الشيبي
في المعرض الشخصي الأول لعريب طوقان، عدّ الذكريات، نتعرّف
إلى فنانة فلسطينية-أردنية واعدة تكشف عن نضج وثقة تتجليان في
تجربة تتقاطع فيها أساليب عدة. أما مشروعها التصويري الفوتوغرافي
مجموعة إيقونات فله تميز خاص، فهو بحث يتقصّى "المكان"، من
خلال أمكنة عامة في الأردن، وأخرى غير قابلة للوصف، تستعرض التجربة
الجماعية للأردنيين المعاصرين. المكان، في تجربة عريب، لا يفصح عن
نفسه بالكامل. بل إنه يتحدد بمقدار معين من خلال تجربة بصرية
تتماثل مع أماكن محلية عامة من منظور غير معلوم.
توثّق طوقان فضاءات تملؤها صور أشياء ذات دلالة أيقونية، الله وتوق
إلى القدس مليء بالحرقة ينضوي تحت حنين فلسطيني أوسع، جُمع وعُرض
على امتداد جدران يعلوها الغبار لأمكنة عادية غابت عنها معالمها
المبتذلة. لقد استطاعت طوقان أن تحقق تأثير هذا الإخفاء لمعالم
الابتذال من خلال السيطرة على الضوء الذي يميّز الصور الفوتوغرافية
لهذه المجموعة. فلطوقان قدرة على تحويل الشيء داخل محيطه إلى غموض
يفضي إلى نتائج مذهلة. والمدى الذي وصلت إليه الموضوعات المتكررة
في أماكن مختلفة يوحي بأن الصور الأيقونية المعروضة منشؤها الهوية
الجماعية، فهي تعبّر عن ذاكرة مشتركة يتقاسمها الشعب الأردني.
فأعمال طوقان تعزز هذا النوع من الوعي المشترك في الوقت الذي
تتضاءل فيه خصوصية المكان.
تنسج الصور طبقات من
الأحوال النفسية للشعب الأردني؛ فصور طوقان الفوتوغرافية تنطوي على
ذكريات عن الوطن ماضياً وحاضراً. أما موضوع البحث، "الأيقونات"
(صور الأشياء)، إضافة إلى الصور المطبوعة نفسها، فهي حاوية ذكريات
أو "برشامة" زمن. في كتابها الصورة بوصفها تذكاراً، تشير
ماريتا ستوركين إلى أن الصورة الفوتوغرافية تصوّر أشياء تفوق صفتها
المادية، فهي إما تُطلق الذاكرة (والتي تتميز بكونها ذات طبيعة
قابلة للتصدع والزوال)، أو تُنتجها.
تقول: "قد يُنظر إلى الفوتوغراف على أنه حافظة للذاكرة، وأن
الذاكرة لا تقيم فيها بقدر ما تنتجها؛ إنها آلية يستطيع من خلالها
الماضي أن يُبنى ويأخذ موقعه في الحاضر".
فالأماكن في مجموعة الأيقونات تعكس الانطباعات الخاصة والتاريخية
التي يحملها الأردنيون عن وطنهم، غير أن الصور نفسها تحدد تحديداً
بصرياً الهوية الأردنية التي هي شعبية وجمعية وحاضرة في أماكنها
الموزعة على جدران قاعة العرض.
تقف صور طوقان في مواجهة مع الذاكرة الجماعية المنقوشة في هذه
الفضاءات، لتناقش ذاكرة لا تمثل تماماً أي ذاكرة خاصة، مع ذلك يشعر
المرء أن بوسع الجميع أن يتذكروا من مكان ما. إن دلالة الأشياء
التي لها حضور قوي في تعبيرها عن الولاء للملك والإيمان بالله تبدو
متصارعة في اتخاذ مواقعها العشوائية. فالتعليق عفوي إلى حد ما،
وتبدو الصور هنا منهكة ومهترئة، كما لو أنها منسية. لكن طوقان، حتى
في حالتها هذه، تبرز أهميتها على نحو بليغ بطرحها داخل نور متألق
هادئ. فسطوع أعمدة النور لشمس العصر المتسللة من خلال شبابيك
متسخة، بالإضافة إلى مصابيح النيون التي تزيدها تألقاً، تسمو بكل
موقع من المواقع. إن توظيف طوقان لمصابيح النيون له سحره الخاص.
فهي تطلق برشاقة ضوء النيون المزعج وتستخدمه للكشف عن القوى
الروحية الكامنة في كل موقع. توحي المواقع بأنها ملاذ، وصورها
الأيقونية فضاء بديل للأردن، فالصور نفسها ذكرى لوطن ما.
ثمة ما هو ذو تأثير مماثل، أي القدرة التي يملكها عمل طوقان على
توليد إحساس حميم. فالصور هادئة، على الرغم من كونها غنية بالألوان
إلى حد الإشباع، بل إنها تكاد نخاطب المشاهد همساً. إذ يشعر
المشاهد أنه مدفوع للاقتراب أكثر من أجل أن يسمع، لاغياً المسافة
بينه وبين الصورة المطبوعة. وبإمكان الصورة أن تتغير إذا ما شوهدت
من مسافة قريبة جداً. فحين تضع الفنانة نعومة الضوء، والفضاء
الخالي من أيّ تفاصيل مقابل أشياء مكررة قابلة للإدراك، فإنها
تتحدث عن فعل التذكر نفسه. إن بصيصاً من الأشياء يتجسد، أما بقية
الأشياء فلا تعكس غير انطباعات ضبابية، مثل قصة لا يبقى في البال
من حكايتها الكاملة غير شيء قليل من تفاصيلها. سلسلة "أيقونات"
الفوتوغرافية تثبت أنها ليست فقط صور مشتركة، وإنما هي أيضاً سبلٌ
مشتركة لإحياء الذاكرة. تعمل الصور على مفهوم "الانطباع الأول"،
مثل الدخول إلى غرفة للمرة الأولى، أو الالتقاء بشخص للمرة الأولى.
فالعقل لا يستجمع كل ما يرى دفعة واحدة، ولكنه، من خلال لاوعيه،
يمعن النظر بسرعة فيما حوله باحثاً عن مفاتيح. إننا نبحث عن صور
طوقان ونقومها، بوصفها أحد معارفنا الجدد للتوصل إلى هوية ساكنيها
الغائبين؛ فالصور لا تبيّن إلا القليل عن ديانتهم وجنسيتهم ووضعهم
الاقتصادي؛ أما التفاصيل الأكثر فرادة وجوهرية فلا يمكن فك
مغاليقها. إننا نلقي التحية على الغرف المصوّرة في صورها كما لو
كانت غريبة / غرباء، ويعتمد مستوى ارتياحنا لها وارتباطنا بها على
قربنا الذاتي من اللغة المشفّرة للمكان.
بُعْدُ المسافة، الاقترابُ واللغة تتخذ شكلاً آخر في الأعمال
أحادية القناة لطوقان، شاشة الفيديو المنفصلة: "ذكرني كي أتذكر
أن أنسى". فمجرد التأمل بالعنوان يمكن أن يطلق ذكريات لا يعبأ
الواحد منا بتذكرها، كما يستثير ذكريات أخرى على مستوى شخصي من
المعنى في العروض المتقابلة لطوقان. تتمازج في شريط الفيديو
الذكريات الزائلة والكلمات وتنفس الإنسان، لتنشئ نوعاً آخر من ذكرى
ضحايا الحرب التي شنتها إسرائيل على لبنان عام 2006. في الجانب
الأيمن، لقطة قريبة لأنفاس صادرة من حنجرة شخص من غير كلمات. وإلى
اليسار كلمات بالعربية تقول:"ذكرني أتذكر أن أنسى"، تنـزل من رأس
قلم حبر في نقط ذهبية، ليعاد امتصاصها ثانية داخل قلم أزرق وأحمر
وأبيض. مرة أخرى، يعتمد معنى هذه القطعة على مدى اقتراب المشاهد أو
ابتعاده عن الموضوع. فهؤلاء الذين ساندت دولهم وأرواحهم الشخصية
الفقدان التام لذاكرة الحرب بعد انتهائها مباشرة، على الأرجح أنهم
سيظلون بعيدين عن تأثيرها. أما الذين لا يمكن أن ينسوا، فإنهم
سيتحملون المشاهدة المؤلمة للمحو وما ينتج عنه من اختفاء الكلمات
بما يمثله من فقد للإنسان والأوطان والأمن الذي دُمّر في عام 2006.
فالأصوات النابعة من الأنفاس المتصارعة مقابل صورة الحنجرة إنما هي
تذكير بهشاشة الإنسان، والصمت المطلق الذي ساد عقب انتهاء الحرب.
الحنجرة لا تصرخ، ولا تحجم، ولا تتحرك. حَسْبُها تتنفس بمشقة.
ليس الغياب مفهوماً يسهل معالجته في فن
الفيديو. لكن طوقان استطاعت أن تعالج الموضوع بواسطة محو الكلمات.
فالتوتر بين الحضور والغياب الذي صوّرته في عملية نفخ البريق
وامتصاصه، يتمدد من خلال وسيلة التعبير نفسها. وفي هذه الحالة، فإن
شريط الفديو غير المنقّح، والعرض الذي "يستغرق وقتاً"، يطرح
توثيقاً دقيقاً للحدث. إن عملية محو الكلمات، التي تُطرح أمام
أعيننا لمتابعتها مرات ومرات في تفاصيل صورة حيوية دقيقة ومؤثرة،
تتوجه بالحديث بشكل خاص إلى ما يحدث يومياً من إقصاء
للعدالة أمام أعيننا. إنه لتذكير مؤلم لما أصبح قاعدة يومية لنا في
الشرق الأوسط؛ فوسائل الإعلام تقدم كل يوم أنباء مفصّلة عن الموت
والدمار في لبنان وفلسطين والعراق، والنسج الذي يتبعه، والرد
الصامت الأصم الذي يأتي من العالم.
لا يملك المواطنون العاديون غير أن يصرخوا داخل الصمت، أو أن
يبتلعوا مرارة الصور وذكراها التي تضلّلهم. إن عرض طوقان يعيد
تمثيل محو الذاكرة العامة تمثيلاً شخصياً ساحراً، وفي الوقت نفسه
يحيي ذكرى ضحايا الحرب المهمَلين. فمعرضها تسجيل مؤثر لمرحلة
سياسية اجتماعية من مراحل الشرق الأوسط، يحوّل الخط الفاصل بين
الذاكرة والفقدان الجماعي للذاكرة إلى رمز ويحدده ويتخذ منه موقفاً
ملتبساً، موحياً بأن التذكر والنسيان يولَدان من الحاجة نفسها إلى
البقاء، والانتساب والتدمير.
سما الشيبي
مساعدة أستاذ الفنون
قسم التصوير الفوتوغراف،
جامعة أريزونا، الولايات المتحدة الأمريكية
- النص مترجم من
اللغة الإنجليزية |