|
ننسى... أي
نتذكّر
(ليلة أرق مع عريب طوقان)
بيار أبي صعب
"قل لي ما يؤرقك،
أقل لك من أنت". هذه الحكمة القديمة (بتصرف) تنطبق بامتياز على
الفنون المعاصرة، التصوير الفوتوغرافي، والتجهيز، والفيديو
تحديداً.
إذا كان الفن الكلاسيكي يجنح إلى الكونيّة، والفن الحديث يلجأ إلى
الرمزيّة ويقوم على تجاوز الغنائيّة الرومنسيّة، والفن الطليعي
إجمالاً يراهن على تكسير الخطوط والتلاعب بالمعنى والقوالب وأبعاد
الصورة، ناهيك بالفنّ الملتزم الذي يستلّ خطابه النقدي الهادف إلى
احداث “صدمة الوعي” لدى المتلقّي... فإن التجارب ما بعد الحديثة
زواجت بين كل تلك اللغات والمقاربات وزوايا النظر، جعلتها تلتقي عن
نقطة واحدة: اللحظة الراهنة!
وعريب طوقان هي ابنة ذلك الراهن بشكل مدهش. راهن مأزوم وصاخب،
محشور بين التطوّر (التقني) والتخلف (الفكري)، راهن عصري (ظاهرياً)
ومزيّف (أخلاقياً). راهن هلامي يقف دائماً على شفى الهاوية، على
حافة الضياع وتضارب المفاهيم والقيم، عند نقطة اللارجوع، أي
الانتقال ــــ بالنسبة إلى العرب خصوصاً ــــ من نمط تعبيري إلى
نمط آخر، من منظومة قيم إلى منظومة أخرى، من زمن (ما قبل التاريخ)
إلى زمن آخر (ما بعد التاريخ). وبين القطبين، هناك دائماً ثغرة، بل
هوّة شاهقة وجرح دفين: في تلك الأرضية الخصبة زرعت طوقان عدّتها
وراحت “تقاوم ”. أخذت تسجّل وتمحو، تنثر جملاً من هلام. تصدر
أصواتاً واهية، رتيبة. ترصد القهر الغائر في اللاوعي الجماعي. تبذل
جهدها أن “يتواصل الضحك”، و ـــــ في الوقت نفسه ــــ ألا ينقطع
حبل الذاكرة الواهي.
قل لي ماذا يؤرقك، إلخ. عريب باحت بكلّ شي. في ليلة واحدة. ليلة
أرق طبعاً. إنّها شاعرة الآني والعابر والحميم والذاتي. شاهدة على
اختلاط الأزمنة والحقائق. تتفرّج على اسرائيل تعتدي بهمجيّة نادرة
على لبنان، ولكن من وجهة نظر... الاعلام الأميركي. تبحث باستمرار،
بنوع من الهوس، عن الشيء نفسه، شيء ثمين، أساسي، ضاع منها. ابتلعه،
اذا شئنا أن نستعير الصورة الميثولوجيّة، “حوت” النسيان. ننسى، أي
نتذكّر! محمود درويش حاضر بقوّة في عالم هذه الفنانة، من خلال تلك
العلاقة الجدليّة، الشائكة، بين التذكّر والنسيان.
الفنانة الفوتوغرافيّة الأردنيّة ابنة الثلاثين، الموزّعة بين
دراستها الباريسية أو اختباراتها في نيويورك من جهة والممارسة
الفنية في واقعها الثقافي والاجتماعي والسياسي من جهة أخرى... بين
انتماء الأمر الوقع وهويّة دفينة تحملها كما يحمل “سيزيف” ابراهيم
مرزوق “صخرة” القدس على ظهره ويمضي (نلمح نسخة من اللوحة في احدى
صور مشروعها الفوتوغرافي “سلسلة أيقونات”)... عريب هذه تنتمي إلى
سلالة جديدة من الفنانين العرب، يبحثون عن تأكيد حضورهم خارج
اللغات والأشكال المتداولة في ثقافتنا الأدبية والبصريّة منذ
خمسينات القرن الماضي. إنه جيل الفن المفهومي والوسائط المتعددة.
جيل "الحساسية الجديدة" بتعبير إدوار الخراط. جيل السؤال الأخلاقي،
والاحتجاج الخافت.
من الصورة انزلقت عريب طوقان إلى الفيديو... بمعناه المعاصر. أي
كرافد من روافد تجهيز مركّب، يلعب على تعدد عناصر السرد ومستوياته،
ويتوزّع على أكثر من شاشة ووجهة نظر. الفيديو في علبة صغيرة نتلصص
من فتحتها على حمار يأكل جملاً ثلاثاً تتعلق بالمستقبل (المرتبط
بفعل المشاهدة)، والحاضر (فعل التذكّر) والماضي (فعل الادراك). ليت
الناقدة اللبنانيّة الراحلة مي غصوب تسنّى لها أن ترى هذا العمل!
نعم، إنّه جيل لا يتذكّر الماضي بل يدركه، ويستنطقه عن الواقع
الحالي، فيما الحاضر مادة هاربة تغذي أرشيفاً فورياً من الصور
والذكريات. أما المستقبل، إسألوا حمار عريب، فنشاهده أمامنا كقصّة
نعرفها جيداً حتّى الملل.
بيروت تتسرّب، في أحد مشاريعها، من رسم شهير لناجي العلي (صباح
الخير يا بيروت) يؤرخ لكارثة سابقة (الاجتياح الاسرائيلي للبنان
ــــ ١٩٨٢). هذا التجهيز يتيح للمتلقّي أن يتسلل إلى عالم الفنانة
الخاص والحميم، نقرأ (القراءة عنصر مهم في عالمها البصري) الرسائل
التي استلمتها عريب عبر البريد الالكتروني، كما وصلتها رسمة ناجي
العلي، خلال الأسابيع الأولى من العدوان الاسرائيلي على لبنان
(تموز/ يوليو ٢٠٠٦). معرض كامل من أجل أن نقرأ... الرسائل تجسّدت
أمامنا لفائف عملاقة كان بوسع الجمهور أن يتفاعل معها أن “يقلّبها”
(في الصيغة الأولى للمشروع). عالم الانترنت الافتراضي الذي يختزل
المسافة، ويجمع بين الأفراد في لحظة الكارثة، يتجسد هنا حقيقة
مادية محسوسة وملموسة تقحمنا في ذاتيتها وشعابها.
وفلسطين، في مشروع آخر، وشم مركّب، يمتد على ظهر رجل في الظلمة.
تعود عريب في هذا العمل إلى الكليشيه الفوتوغرافي، لتقدّم
“تنويعات” على موديل واحد. الجسد هنا مساحة للكتابة والرسم
والتشكيل، أليست هذه الفلسفة الأصليّة للوشم؟
الفنانة تبحث عن فلسطين في الذاكرة الموشومة بخريطة (وخنجر وجناحي
نسر). عينها تراقب، وتسجّل، تماماً كالعين التي تقحم نفسها داخل
العرض، في تجهيز فيديو آخر لطوقان. العين تريد أن تكون جزءاً من
المشهد، أن تكون الشاهد والموضوع في آن. أو كما تؤرخ للراهن وتصوغ
أسئلته من خلال عقد الخرز المفروط: حباته ترتطم في أرض ذاكرة
بعيدة، ثم تتشكل جملاً عن الضحك والماضي والتذكر والنسيان...
في عمل آخر لعريب، تنقسم الشاشة نفسها إلى جزئين. على القسم الأيمن
يد تكتب بغبار الذهب عبارة من ثلاث كلمات بالعاميّة: “ذكّرْني
اتذكرْ إنسى”، ثم تمر القشّة لتشفط تلك الكلمات. وعلى القسم الأيسر
من الفيديو، لقطة ثابتة لحنجرة نسائيّة. يغمرنا صوت التنفّس الرتيب
حتّى يستحوذ على حواسنا ووعينا. هذا العمل الذي شاهدناه في بيروت،
صيف ٢٠٠٦، أسابيع قليلة بعد اندحار التتار الجدد، يختصر كل تجربة
عريب طوقان.
يصبح الفيديو تجهيزاً حين يحتل مكانه في فضاء محدد، ويوظف هذا
الفضاء في كتابة مركّبة. حين تفلت الصورة من شاشتها المسطّحة،
لتكتسب بعداً ثالثاً. وعريب تحاول تأسيس هذا البعد الثالث على لحظة
الخلل. لتقول إننا نعيش على قارعة الحضارة، كمن يكتب على الرمل.
إننا نتفرّج على موتنا، ونساهم في محو ملامحنا من الصورة. إننا
نقيم في الوعي الجماعي ضريحاً للحاضر، وننتظر من يكتب روايتنا
الجماعيّة، من يصوغ ميثولوجيا موتنا.
نعم هذا كلّه في أعمال عريب طوقان ومشاريعها. لا تصدقوا ما تسمعه
آذانكم، ما تراه عيونكم. ما تلمسه أصابعكم. الحقيقة في مكان آخر.
مكان افتراضي، مرسوم بكلمات مهرّبة، وظلال منسيّة، ومؤثرات صوتيّة
خانقة: تخدر المتلقي تارة، تدفعه إلى الهستيريا تارة أخرى. حفيف
وهسهسة وخشخشة وأصوات ارتطام، وتنفس رتيب.
ذروة هذه المقاربة للحظة السياسية والحضارية الراهنة، تتجلّى في
تجهيزها الأخير (٢٠٠٧) الذي يدعو المشاهدين الى اعادة تشكيل خريطة
المنطقة. تعالوا إلعبوا معنا في صياغة “الشرق الأوسط الجديد” (بل
“الأجدّ”)، حركوا قطع البلاستيك الممغنطة على اللوحة المعدنية
المثبتة إلى الجدار، اكتبوا فوق خريطة “سايكس ــــ بيكو” الأصليّة.
هنا قد يعي المتلقي ـــ الشريك، من خلال “فعل” جسدي، وعلاقة
تفاعليّة مع العمل المعروض، أبعاد الخطر الفظيع التي يتهدد المنطقة
العربية في مشروع الادارة الأميركيّة الحاليّة.
أليست هذه التقنيّة من صلب “التغريب” البريختي؟ أهلاً بالرفيق
برتواد بريخت في ضيافة الفن (العربي) المعاصر.
بيار أبي صعب
صحافي
وناقد لبناني
رئيس تحرير مجلّة "زوايا"
مسؤول أقسام الثقافة والميديا في جريدة "الأخبار" البيروتية
بيروت - ٠٧/٠٧/٠٧
|